فهرس الكتاب
نفس اللحظة التي التصقت فيها وجوههم بالجدار دون أن أقدر على استيعاب ما حدث. . وعندما وصلنا المنفردة وفتح السجان بابها الثقيل ساكته: - هل سأبقى هنا؟ قال وعلى ناظريه ترتسم ملامح السخرية: - نعم. . هذه أحسن منفردة وأعلى درجات المنفردات. . إحمدي ربك أنك هنا! قلت: ماذا! أجابني: نعم. . هذه المنفردات جديدة كلها لم يجلس فيها أحد من قبل. . فاحمدي ربك وأدخلي. ورمى لي ببطانيتين رثتين ثم أغلق علي الباب الحديدي الثقيل ومضى. . وما أن فعل حتى أحسست نفسي أنني اختنقت. . متر ونصف بمتر ونصف من الأرض وحسب. . الجدران سميكه جدا. . والسقف منخفض إلى درجة أنني كنت أستطيع لمسه. . وفي وسطه فتحة للتهوية لكنها كانت عاطلة عندي وليس هناك أي فتحة غيرها أو شباك. . وبين الباب والجدار الذي يليه توجد طاقة عميقة في آخرها لمبة ضعيفة الضوء بيني وبينها طبقتان من الشبك فلا تكاد تنيرإلا نفسها! فلما أغلق الباب أحسست أنه قبرني وذهب. . وشعرت أنني على بوابة الموت بالفعل. . ولم أعد أستطيع جذب النفس. . كانت لحظة صعبة جدا لم أستطع تحملها، ولم أعد أستطيع استيعاب ما يجري. . أو لماذا يفعلون بي كل هذا! ومن تعبي ورعبي كأنما ارتخت أعصابي وخارت قوتي فما شعرت بنفسي إلا وباب المنفردة مفتوحا والدنيا ظلام جدا والعنصر واقف على الباب يلكزني بعصا يمسكها بطرف يده ويقول: - قومي. . قومي. فلما استجمعت نفسي وحاولت استرجاع الأحداث أدركت أن الليل قد حل وقد حضر وقت الخروج إلى الخط. . وقدرت أنني كأنما أغمي علي، لكنني وعندما استيقظت ووجدته أمامي أحسمت كأنه عزرائيل. . ولم أعد أستطيع حتى أن أدرك حقيقة شعوري: هل أنا متضايقة. . زعلانة. . خائفة؟ كله مع بعض! لم أعد أحس لا بالزمان ولا بالمكان فلم تكن معي ساعة ولم أعد أعرف الليل من النهار. . فلما ناداني نهضت وأعصابي على أشد ما تكون توترا. . فلم أكن أعرف ما الذي يجري هنا، ولا طبيعة هؤلاء العناصر. . وتبعته إلى الحمام حيث اقتادني فوجدته كبيرا جدا. . ووسخأ إلى أبعد الحدود، لكنني تمالكت نفسي وغسلت وجهي وعدت. . فوجدته أحضر لي طعاما رددته بلا شهية، فلم تكن لي نفس وقتذاك لتناول أي شيء، فأدخلني ثانية وأقفل علي. . فلم أكد أبلغ الأرض وأنا أتلمس موضي كالعميان حتى انطلق عنين صاخب خلف الجدار عن يمين زنزانتي جعل بدني ينتفض كالملسوع، لكنني سرعان ما أدركت أنه صوت جهاز التكييف المركزي الذي لم يلبث أن توقف بعد خمس دقائق كما بدأ فعم السكون المكان من جديد، ثم عاد فانطلق بعنينه الهادر مرة أخرى فكأنما هو وحش سجين يشتكي عنت السجن مثلي، وبقي الهدير على هذه الدورة المتناوبة يطرق أذني تارة بعد أخرى فكأنه في كل دورة له يخرز فيهما خرزا. . حتى بت لا أكاد أسمع إلا الطنين،