فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 711

ووجدتني بذلك ومع عتمة الزنزانة وكأنما فقدت الحواس، فعدت إلى ما يشبه الإغماء، ولم أصح إلا صباح اليوم التالي على تكبيرات العيد!

تكبيرات العيد من زنزانة رياض الترك!

كانت التكبيرات تنطلق من جهاز راديو جلس جاري في الزنزانة المقابلة الزعيم الشيوعي المعارض رياض الترك يستمع إليه ضمن بعض الإستثناء ات التي نالها في منفردته التي أمضى فيها أكثر من عشر سنين! كان الممر الذي تقع فيه زنزانتي يضم أربع منفردات كل اثنتين منهما تقابلان الإثنتين الأ خريين، فكانت زنزا نتي الأ ولى من اليسار، ومجاورتي التي تليها فارغة، وفي مقابلها كانت زنزانة رياض الترك، بينما كانت الزنزانة التي في مقابل زنزانتي فارغة في البداية ثم أتوا بعدها بشاب وضعوه فيها، ولم أره إلا مرة واحدة عندما كان باب زنزانتي مفتوحا للتنفس وأتوا بقصعة الطعام له فمد رأسه ليأخذه، ولم أعلم أي شيء عنه إلا أنه كان يطلب الخروج للوضوء. وأما رياض الترك فكانت له بعض الميزات عن السجناء الآخرين، فبين حين وآخر كانت تأتيه زيارات من الخارج، كما سمحوا له بإحضار الراديو، وبطهي بعض الطعام لنفسه، وكثيرا ما كان العناصر يجلسون عنده ليطبخ لهم أو يأخذونه ليجلي لهم الصحون! وبعد مدة جعل رياض الترك كلما طبخ طبخة سكب لي لقيمات منها، لكنني لم أكن اكلها وأعيدها مع العنصر إليه. كذلك كان يرسل لي محارم وشايا وأشياء مشابهة. وفي إحدى المرات التي كان باب زنزانتي فيها مفتوحا رأيته وكأنما طلب من العنصر أن يراني فأذن له، فذهب وعاد مرتين من أمامي استطعت خلالها أن ألمحه لمحا لكنه لم يقل أي شيء. . ولأنه كان صباح العيد فقد انطلقت التكبيرات من الراديو فصحوت عليها. . لكن البشريات التي يحملها العيد للناس انقلبت حسرات في قلبي وضيقا وكآبة، ووجدتني أنخرط في البكاء دون إرادة مني. . الناس في الخارج تعيش بهجة العيد وكل هؤلاء الذين في السجن لا يحسون للعيد وجودا ولا معنى. . ولا يعرفون حتى الليل من النهار وما هي إلا برهة حتى فتح الباب علي ووجدت عنصرا اخر قصير القامة طويل الشاربين لا يبعث شكله على الإرتياح ابتدرني بالسؤال: -أنت ما اسمك؟ قلت له: لماذا؟ قال: أريد أن أعرف لأن واحدة كانت هنا تشبهك كثيرا. . ربما هي أنت! هل سبق لك وأتيت إلى هنا؟ قلت له: لا. وكانت رفيقتي ابتسام التي أحضروها إلى قطنا قبل شهور قليلة قد مرت على هذا السجن من قبل فرجحت أنه يقصدها، ولما سألته عن اسمها تأكد ذلك، فسالنى من جديد: - وما اسمك أنت؟ قلت له وقد أحسست أنه يريد أن يتسلى بي وحسب: - وماذا يلزمك اسمي؟ إذا أردت فاذهب وانظر إليه عندكم. فلم يلبث وأن غاب قليلا ثم عاد ففتح الباب ثانية لأجد أمامي المقدم عمر مدير السجن الذي أحضرني وحوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت