فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 711

من النهار ولا الصباح من المساء إلا من تبدل الحرس ومن صوت إذاعة لندن التي تبلغنى من زنزانة رياض الترك عصر كل يوم!

عسرويسر. .

وتظل رحمة الله أكبر وأوسع، فما هي أيام حتى أرسل سبحانه إلي مجندا اخر في النوبة الثانية يؤدي خدمته العسكرية، صار يعاملني بشكل جيد أيضا ويحضر لي أشياء خاصة ويسمح لي بالخروج إلى الحمام مرات أكثر لأغسل وأشرب. . وعندما أخبرته أن التكييف في زنزانتي لا يعمل ذهب وأصلحه حتى اشتغل اخر الأمر، وكان عندما أخرج إلى الحمام في نوبته يأتي بسجين اخر ليمسح لي المنفردة وينظفها وينفض لي البطانيات ويرتب الزنزانة لي قدرالمستطاع. لكن هذه النماذج كانت الإستثناء في هذا المكان الظالم أهله، وكان سوء الخلق وانعدام المروءة والكرامة والأدب هو الأصل الأصيل. . فالعناصر دائما يحملون عصيا أو خيزرانات أو كابلات، وكان المقدم عمر يحمل كلبشات وطماشات باستمرار، لكنني لم أكن أسمع أصوات تعذيب هناك لأن غرفة التحقيق كانت كما يبدو بعيدة. وفي إحدىلمرات جاءني عنصر من هؤلاء ببقايا صندويتشة فلافل أكل أكثرهاوأبقى الجزء الأخيرلي. . فجاءيقول لي: - ألست جائعة؟ قلت: لا. . لكن وقبل أن تسالمني هذا السؤال أريد أن أسألك أنا إلى متى سأبقى أنا جالسة هنا؟ قال: والله لا أعرف. . هذه ليست شغلتنا. قلت له: طيب. . حسبي الله. لكنه بدل أن ينصرف تقدم فجلس القرفصاء أمامي وهو يرتدي جلابية بيضاء رقيقة تكشف مظهره المقرف وقال لي: - هل تحبين أن تخرجي إذا أراد أحد أن يخرجك؟ قلت له: لا. قال: عجيب. . لم أرأحدا يحب قعدة السجن غيرك. قلت له: الحمدلله. قال: لكن والله أنا مستغرب. . لماذا أحضروك إلى هنا بعد خمس سنوات من اعتقالك. . ألم تعرفي السبب؟ قلت له: لا، لم أعرف، هكذا كتب الله. فقال لي: طيب إذا أخرجوك الآن. . أنت والله مثل أختي وأنا أعيش لوحدي عسكري. . وأنت تعرفي حياة العسكري. . مستأجر غرفتين بالمهاجرين، أعطيك غرفة لك وأنام أنا في الغرفة الأخرى. قلت له أنتهره وقد بدا لي أنه يتمادى: وما هي المناسبة؟ قال: حسبما دريت أنه لا أحد لك. قلت له: ومن قال لك؟ قال: أهلك قتلوا بأحداث حماة. قلت له: وإذا لم يكن للواحد أهل أما له الله؟ أنا لي الله. . فقال لي وكأنما التأم مني لأني لا أسايره: يعني ما بتحبي تطلعي. قلت له: لا. فخرج وأغلق باب المنفردة علي وجعل يلعب بزر الضوء الذي ينير الكوة في زنزانتي حتى أحرقه، فأحسست أن في نيته أن يطفئ الضوء علي ليدخل في العتمة. ووقتها كانوا قد أعطوني وجبة الطعام في طبق من بلاستيك ميلامين ثقيل الوزن، فأفرغت الطعام منه وحملته بيدي وصحت: -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت