فهرس الكتاب
وتتالت الأيام وحلت علينا ضيفة جديدة هي عزيزة جلود زوجة النقيب إبراهيم اليوسف. . وكانت عزيزة قد اعتقلت أول مرة بعد حادثه المدفعية نالت فيها أشد العذاب، ثم أفرجوا عنها لتكون طعما يمكنهم من اصطياد زوجها، فلما لم يصلوا إلى شيء من خلالها أعادوا اعتقالها ثانية فوجدوها حاملا، فقالوا لها إذا فأنت تعرفين مكان زوجك وتقابلينه، وكان عمر حميدة يضربها على بطنها وينادي كالممسوس على الجنين يقول له: إنزل. . إنزل واشهد اللهم إني بعثي! لكن الله حفظ لها الطفل وعادوا فأفرجوا عنها بعد أن سجنوها في ثكنة هنانو وعذبوها هناك أيضا. . وعندما خرجت وضعت مولودها اسماعيل قبل أن يعتقلوها للمرة الأخيرة واسماعيل معها في شهره الأول أو الثاني، وبقيا معا في المنفردة بسجن المسلمية أربع سنوات. . وهناك، وعلاوة على معاناة السجن المرة فقد مرت عزيزة بظرف رهيب جعلها تعيش كابوسا مرعبا لا مثيل له، فخلال تلك الفترة حدثت عملية تمرد قام بها بعض السجناء. . فاعتصموا في مهجعهم احتجاجا على التعذيب والإرهاب وسوء المعاملة وأحرقوا فرشهم ورفضوا الإنصياع لأوامر المخابرات بإخلاء المكان. وقتها ظن أولاء أن مجموعة من المسلحين تسللت إلى داخل السجن وقامت بالتمرد فما عادوا يجرؤون على الإقتراب. . فبادروا بخستهم إلى جذب عزيزة من زنزانتها وقدموها كرهينة وصاروا يساوموا الشباب عليها: إذا لم تسلموا أنفسكم فسنقتلها. . فعاشت المسكينة على أعصابها يومين من الرعب كاملين. . أتوا خلالها بقناص قتل المعتصمين أمام عينيها واحدا بعد الآخر حتى أنهوا الموضوع! وعندما نقلوها من بعد إلى دمشق تمكن أهلها من أخذ إسماعيل معهم ليعيش مع إخوته في بيت والدها طوال الفترة القادمة، حيث ظل أهل أبيهم كلهم في السجن! وقد مكثت عزيزة في سجن التحقيق العسكري ثمانية أشهر ثم نقلوها إلى دوما والتقينا معها هناك لنبقى معا حتى الإفراج عنا. . ورغم أنهم تلوا اسمها مع قائمة الذين شملهم العفو فقد نقلوها إلى سجن المسلمية من جديد واحتفظوا بها هناك لمدة سنتين إضافيتين في زنزانة منفردة سيئة جدا تحوطها معاملة أسوأ. . فلم يسمحوا لها في البداية برؤية أحد أبدا من أهلها حتى أصيبت المسكينة بانهيار عصبي. . وبعد فترة طويلة سمحوا لأبنائها فقط بزيارتها وظل الحظر على بقية الأهل قائما. . وكانت عزيزة في قلق دائم على أولادها خاصة بعد تهديدات العميد حسن خليك رئيس اللجنة التي قابلتنا قبل الإفراج، والذي قال لها بلسان ينفث الحقد والمقت: - ثأر الذين قتلهم زوجك المجرم ما نسى واهل القتلى نار قلوبهم تخمد. . وهم مستعدون في أية لحظة لكي يأخذوا به. . وأضاف يقول لها: أنت يجب ألا تعيشي قريبا من أولادك. . لازم تبقي بعيدا عنهم حتى لا تشربينهم الحقد والإجرام! ولذلك كانت المسكينة في خوف دائم عليهم من نقمة العلويين وهاجس مستمر أين ستخفيهم. . ولقد سلم الله لها إياهم وأتى اسماعيل فزارنا في دوما مع جده في العيد وقد بلغ سبع أو ثماني سنين، وكان