فهرس الكتاب
ولما لم يلتفت أحد إلى الطعام، ولم يقم أي واحد إليه، رأى بعض الأخوة أنه لابد من أن يتقوى كل أخ بشيء من طعام يسد به رمقه ويقيم به صلبه، فقام اثنان من الأخوة يتحاملان وأخذا يدعوان الأخوة بالدور إلى الطعام وكانا يقابلان بالاستغراب والزهادة والرفض، فيؤكدان الطلب ويصران عليه: لابد من الطعام ولو لقمة واحدة، ولم يكن لدينا صحون ولا ملاعق ولا أي نوع من الأوعية، فقد أخذت منها الصحون البلاستيكية والملاعق والأكواب البلاستيكية، وفراشي الأسنان وكل شيء.
الأذان
وفي هذه المرة .. جاءت الرحمة على صورة صوت غير غريب انطلق من مكان غير بعيد .. صوت مدو مجلجل .. راسخ كالجبال عظيم ليس له مثال إلا أن يكون ترتيلًا من تنزيل .. وهو يعلن أمرًا بدا في ذلك الوقت والمكان غريبًا رغم بداهته .. وهائلًا رغم وضوحه وفصاحته ..
الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله .. نداء رباني سماوي إلهي يأتينا من العالم الآخر من دنيا بعدت عنا، دنيا يكاد يصعب علينا تصورها دنيا الحرية، ومن جو العبادة المسجدي النوراني ينطلق هذا الصوت في أجواء سجن تدمر الملتهبة بالحقد والغل والكيد والغش والبذاءة والأذى والعذاب، فيطعن الباطل في الصميم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويسقي الظامئين الذين كاد يهلكهم العطش رشفات باردات عذابًا .. صوت أرق وأندى من مناغاة الأم لطفلها، وأحلى من صوت الحمامة للحزين ..
المهجع
كان منع النظر وتفتيح الأعين يحول بيننا وبين معرفة ما حولنا من أشياء، كنا لا نعرف سوى المهجع، وكان المهجع بطول (14) م وعرض (4م) وله أربع نوافذ من كل جهة سعة كل نافذة 80 ×80سم ترتفع عن الأرض حوالي (3م) وهناك فتحتان في السقف 1×1م وكل النوافذ والفتحات مشبكة بالحديد بكثافة، وكانت أرض المهجع مغطاة بطبقة من الغبار الرملي كثيفة وهي محفرة في كثير من المواضع، وقد أمرنا الرقيب محقرًا ومتعاليًا:
-كنسوه بلحاكم يا ...