فهرس الكتاب
وكانت لنا بالفعل لحى طويلة حيث أننا لم نحلق منذ مدة طويلة، لأن عناصر المخابرات كانوا يمنعون عنا أدوات الحلاقة والحلاقين ..
وكانت جدران المهجع مطلية بطلاء أخضر فاتح إلى مستوى (1.5) م ثم بطلاء أبيض حتى السقف، وقد بدا واضحًا أن عملية تنظيف وتعزيل وطلاء قد جرت حديثًا للمهجع وأنه لم يستعمل بعدها أبدًا، فهناك آثار وبقايا الطلاء على الأرض.
وكان للمهجع دورة مياه أخذت من طوله بعرض (2م) فيها مرحاضان أحدهما معطل ومغسلة صنبورها معطل أيضًا، والأرض في دورة المياه مشققة وكسرة.
كنت قد سمعت قبل اعتقالي بفترة وجيزة بمجزرة تدمر الرهيبة التي قتل فيها مالا يقل عن (1000) معتقل من الأخوان المسلمين، وذلك في سجن تدمر العسكري هذا، فقمت أنظر في نواحي المهجع لعلي أرى آثار ذلك الحدث الذي سمعت عنه، فكان أول ما لفت نظري الجدران. كان في الجدران وعلى مستوى (150) سم وما دون وخاصة الجهات الداخلية البعيدة عن الباب حفر صغيرة متناثرة متجمعة أو متباعدة بقطر (1) سم وقد بدا واضحًا أنها قد حشيت بالجبس وطليت بعد ذلك، وعثرت في أحد الشقوق في المنافع القريبة من الباب على ظرف فارغ لطلقة رصاص، وفي اليوم الثاني وخلال إزالتي للغبار وتنظيف المكان وجدت في الأرض المحفرة لونًا داكنًا بين الأسود والرمادي، تفحصته مليًا وشممته، إنه لم يكن بعيدًا عما توقعت، بل كان شاهدًا حقيقيًا عما جرى في هذا المكان من جريمة .. بل كل الشواهد تحكي قصة رهيبة ليست أحداثها بعيدة، ولا غابرة بل هي قريبة العهد.
إذا هذه الأيدي التي تمتد إلينا بالأذى أيد آثمة، إنها ملطخة بالدماء .. وما يدريك ماذا يخبئون لنا؟ وهذه أفعالهم وهذه جريمتهم وهذا حقدهم ..
حالات صعبة
في ذلك الوقت كان عندنا بعض الحالات الصعبة منها: حالة الأخ عزام الحمصي كان مصابًا بمرض القلب، فما أن جاء دوره في حفل الاستقبال وأنزل في الدولاب حتى ضاق صدره وتسارع نبضه وخف ضغطه وغاب عن الوعي، ولم يشفهم ما به فأنزلوه في الدولاب وضربوه ونهروه وزجروه وسبوه، ولكنهم كانوا يضربون في حديد بارد وقد أنجاه الله ولكنه لم يكن يستطيع المشي ولا الحركة مما كان يضطرنا إلى حمله، فكنا نحمله أينما ذهبنا كما نحمله إلى دورة المياه ونعيده منها، فإذا جاء الجلادون ودخلوا علينا هجموا عليه يضربونه وهو مضطجع لا يستطيع القيام ويسبونه ويحقرونه ويستعجلون موته.