فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 711

وكنت أتساءل بألم وحيرة فأقول لنفسي: ما هؤلاء الناس؟ أي قسوة ركبت فيهم؟ أي بلادة وسماجة خالطت نفوسهم؟ أفي صدورهم قلوب ذات إحساس ومشاعر؟ أم أحجار صلدة قاسية؟ .. ؟ أماتت في صدورهم القلوب؟

بل صدق الله وصدق رسوله: لهم قلوب لا يشعرون بها ..

أهكذا يعمي الهوى والطمع والجشع أهكذا يعمي الدينار والدرهم .. ؟ أهكذا يغترّ الإنسان بالزعامة الفارغة .. بحطام الدنيا؟ أهكذا تفعل خزعبلات الكاذبين في نفوسهم الجاهلية؟

وهذا الحقد الرهيب .. على المعتقلين الأبرياء ما الذي أثاره فيهم .. ؟ أجبت نفسي بحسرة: ما أثاره إلا عقيدة بل عقائد باطلة فاسدة .. باطنية مكتومة .. أخفاها أهلها .. يخافون عليها من نور الشمس .. وحرارة الحق .. ولا مهرب ..

إدخال الفطور

وفجأة صرخ صوت هستيري من النافذة الصغيرة في الباب: (ولك عرصات) وانتفض المهجع قائمًا وصرخ رئيس المهجع (باللازمة) : انتبه استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب. ووقف كل ذي قدرة على ذلك ورفعنا الوجوه إلى السقف وأغمضنا أعيننا وسرت كهرباء القلق في الأعصاب ولج القلب بالدعاء والاستغاثة.

وفتح الباب ودخل الجلادون وهم بفاحش السباب يصرخون ويشتمون وهجموا علينا يضربوننا ويرفسوننا بأرجلهم، وبدأ صوت الكرباج يلعلع في جو المهجع، وأخذت الأصوات ترتفع، واستغاث أحد المعذبين بالله قائلًا: دخيل الله، فثار الحقد الكافر في نفس الجلاد فقال له: (الله .. خذ .. هاي لألله) ثم استنكر عليه استغاثته بالله، قائلًا: إنت بتعرف الله يا كلب؟ واستغربت في نفسي لهذه المراوغة والمخاتلة السمجة وذكرت المثل: رمتني بدائها وانسلت، يرموننا بالكفر وهم الكافرون، يصموننا بالإجرام وهم والله المجرمون، وإن كنا لا نستطيع دفاعًا عن أنفسنا فإن الله يدافع عنا: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وعزموا أن يخرجوا أخيرًا بعد أن أذاقونا صنوف العذاب ثم طلبوا رئيس المهجع فأخذوه وبادره أحدهم بالكرباج يضربه وآخر يرفسه حتى وقع بين أيديهم مغمى عليه، وخرجوا أخيرًا وصرخ رئيس المهجع بصوت ضعيف: استارح استاعد المهجع انتهى من التفتيش حضرة الرقيب. ولقد أدخل خلال هذه الحفلة من العذاب طعام الإفطار وهو عبارة عن صحن زيتون وكمية قليلة من الشاي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت