فهرس الكتاب
ترقب
عزفت النفوس عن الطعام فلم يأكل أحد إلا قليلًا، وعزفت عن الكلام وانشغل كل واحد بدعاء أو ذكر أو تسبيح يتسلى عن آلامه ويتقوى على محنته والرعب ينشر ظلاله القاتمة في ذلك الجو المكفهر جو الجدران الكالحة والأبواب الحديدية الموصدة والنوافذ المشبكة بألف قضيب حديدي جو الصراخ الهستيري والأوامر الصارمة والعذاب والعقاب لغير ما جريرة أو ذنب، ما عرفنا ذلك قبلًا ولا سمعنا أن يعذب الإنسان لأجل العذاب .. وأن يكون هناك نظام .. للسجن يتفنن في تعذيب نزلائه. كنا في ترقب فما تكاد تسمع نأمة حتى تسري الكهرباء في جو المكان. البارحة وفي مثل هذا الوقت كنا نعيش كابوس العذاب البشع فهل انتهت محنتنا؟ إني لأشعر أن كل دقيقة بل كل ثانية تمر إنما هي محنة وعذاب لكل إنسان هنا. كنا نتساءل ما يخبئ لنا اليوم عباقرة سجن تدمر؟ الذين حكموا باستحقاقنا للعذاب والموت لأننا كما يقول كبير الزبانية: (انتو جيتوا لهون باجريكم) كيف أستنبط ذلك وعلى أي أساس أطلق حكمه وبأي منطق يتكلم؟ الله وحده يعلم.
كان بعض المتفائلين من إخوتنا قد اهتدوا إلى فكرة مؤادها: إن التعذيب يتم خلال اليوم الأول وربما بضعة أيام أخرى بعده، وبعد ذلك تعود الأمور طبيعية عادية .. ولكن صورة البغي والحقد والجهل الذي عرفناه ولمسناه في هؤلاء القوم كان يجعلنا نتوقع أسوأ الاحتمالات خاصة وأنه لا يردعهم عن ظلمهم خلق ولا دين ولا ضمير، بل هناك حقد يؤجج الشر في نفوسهم وأولياؤهم هم يمدونهم في الغي ولا يقصرون.
إرهاب ورعب
في العاشرة سمعت أصوات بعيدة أولها أصحاب الترقب وتوقعوا من ورائها أشياء وأشياء ولكني تركت كل هذه التصورات المخيفة جانبًا وقلت: نسلم أمرنا لمن بيده الأمر.
ومزق جو السكون والترقب صوت غريب رهيب آثار الرعب في النفوس، كان صوت الكرباج يضرب جدار المهجع بقوة يتردد صداها الرهيب في جنبات المكان. لا ريب أنه الإرهاب الحاقد. تهيأت النفوس للموت وبلغت القلوب الحناجر كاظمين ما للمعتقلين من شفيع يطاع فقدوا الحق في الراحة والأمان، وأصبح الاطمئنان أبعد منالًا من العنقاء وفقدوا الحق في الحياة.
ودوى باب المهجع الحديدي بضربة هائلة من الكرباج الثقيل، وازدادت ضربات القلوب وأصبحت تضج في الصدور وكأنها مطارق ثقيلة (اللهم أنت القوي المعين نجنا من القوم الظالمين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم) .