فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 711

من النافذة الصغيرة في الباب صرخ صوت هستيري بحقد مجنون: ولك حقراء .. ولك يا .. ولك يا .. وصك آذاننا بأبشع ما في معجمهم من شنيع الألفاظ وفاجر القول مع التهديد والوعيد.

تحرك المفتاح في القفل وصرخ رئيس المهجع: انتبه استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب. ووقفنا حيارى مستسلمين لقضاء الله مغمضي العيون رافعي الوجوه إلى السقف وأمرونا بالخروج قائلين:

(اثنين اثنين لبرا ولك كلاب .. بسرعة يا .. ) واندفعنا مسرعين مطأطيء الرؤوس والأوامر التي تتوالى مع لسع الكرباج: (أسرع يا كلب .. غمض عينيك يا حقير يا .. )

وأمرونا أن نسير رملًا على أطراف الباحة ثم دخل نفر من الجلادين إلى الباقين في المهجع وهم من المرضى والمصابين العاجزين عن السير وأخذوا يضربونهم ويعذبونهم.

وأمرنا الجلاد بصوته الكريه أن ننبطح على الأرض ونرفع أرجلنا قائلًا: (منبطحًا .. ارفع رجليك) وهجم علينا الجلادون بالكرابيج يضربون أرجلنا وظهورنا ورؤوسنا بضربات شديدة وهم يصرخون مزمجرين ويسبوننا بأقذع السباب، ويكفرون بالله ويشتمون النبي صلى الله عليه وسلم.

وصبرنا على الضرب ولكن الضرب كان شديدًا والألم رهيبًا، فانطلق صراخ المعذبين يملأ المكان بأصوات متألمة شاكية تنفطر لها القلوب القاسية، أصوات منكرة غريبة لا تعرف فيها صوت أحد ولا تميزه كأنها آهات ثكلى أو زفرات محترقين أو صرخات متردين في هاوية.

وينبري الجلاد يصرخ بالصوت الزاجر الرهيب يأمر بالسكوت: (سكوت. سكوت يا حقير يا حقراء سكوت .. ) فتخمد الأصوات كلها إلا أصوات الكرابيج، ولكن الآلام لا تحتمل والموت مرّ فتعود الأصوات المتألمة إلى الارتفاع والناس بين واقع به العذاب فهو يتقلب تحت الكرباج ظهرًا لبطن وبطنًا لظهر وبين منتظر أن يأتيه الجلادون بالكرابيج فهو في رعب وكرب وعذاب قبل العذاب.

ويمر الوقت متباطئًا لا يريد أن ينقضي، والشمس ترسل أشعتها فتغمر المكان: ويدور في نفسي حوار: كم يتكتمون علينا ويضيقون؟ ولكن أمرهم مكشوف وسرهم مفضوح، والأرض تشهد والجدران والشمس تشهد على ما يجري تحتها من ظلم ومن ظلام، وجاء الأمر من الرقيب الجلاد: واقفًا، رملًا ثم جاء الأمر من جديد: منبطحًا ارفع رجليك يا .. وعاد الفلم وعادت الأصوات ترتفع إلى رب السماء شاكية إليه تخلي الناس عن بشريتهم وارتدادهم إلى أدنى دركات الحيوانية والوحشية، فها هم يلغون في الدم كأي وحش كاسر (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) ولكل شيء نهاية. انتهت حفلة العذاب وجاء الأمر من الرقيب: واقفًا رملًا إلى المهجع، وعلى الباب وقف الجلادون يودعون الداخلين بضربات الكرباج الثقيل يصبون فيها كل حقدهم ووحشيتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت