فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 711

وبادر بعض الإخوة إلى السجود وأخذت أذكر بعض من حولي قريبًا كان أو بعيدًا: أن يسجد لله رب العالمين ..

تقف عقارب الساعة فلا تكاد تتحرك، والزمن لا يسير إلا ببطء شديد ونحن نستعجل الدقائق والثواني لتمضي ولينقضي النهار ويأتي الليل، فنحن نعيش كل دقيقة من النهار في ترقب وتوجس ورعب، وينهك أعصابنا ويضنينا أكثر من آلام أجسادنا الممزقة، ويكاد يقضي على ما نتمسك به من صبر وثبات، وكان ذكر الله البلسم الشافي والدواء الناجع لقلوبنا، ومولاه ما استطعنا الحفاظ على قوانا النفسية.

فأصوات المعذبين وهم يصطرخون تقرع الأسماع وتقري في الأعصاب طول الوقت ..

كان أجمل صوت في الوجود نسمعه بل أحلى دقائق تمر بنا ونستروح فيها رائحة الجنة، ونجد فيها متعة عظيمة وهناءة وسعادة إيمانية غامرة إنما كانت دقائق الآذان ذلك الصوت الندي الذي كانت ترتاح له أسماعنا وتحن إليه قلوبنا وهو يردد نداء الله أكبر الله أكبر ..

وننصت خاشعين متبتلين نتملى كلمات الآذان ونرددها بخشوع لا نود أن تنتهي، إنه الصوت الوحيد الذي يخترق حواجز السجن ويتجاوز الجدران والحراس ليصل إلينا رقيقًا رخيمًا كأنه الندى، فتشربه قلوبنا العطشى ونستشف منه أحوالًا ونتخيل صورًا ومواقف غالية في قلوبنا ..

دخلات تعذيب

جاء الجلادون بعد الثانية ظهرًا بقليل، فطافوا علينا بالعذاب وسبونا وحقرونا كالعادة، لا يرحمون مريضًا ولا عاجزًا وأدخلوا إلينا ما يدعونه طعام الغداء ..

ثم عادوا في المساء وفي ظلام الليل فدخلوا المهجع وضربونا وعذبونا وهم يضحكون ويهزؤون ويلعبون وبعذابنا يستمتعون، ويمضي النهار ونحن على حال أليمة لا تهدأ رغم أنا ساكنون، ولا نستريح كان الهم كبيرًا والقهر قد فاق التصور ..

جاء الليل وثار التساؤل والخوف من جديد: ما هذه الأصوات المرعبة؟ التي تفلق ليلنا وتنغص علينا ساعات نومنا، ولكن كشف بعد ذلك سرها فهان أمرها، فقد عرف أنها ليست إلا وسيلة اتخذها الحرس فيما بينهم ليحافظوا على اليقظة والانتباه والحذر (وهم يحرسون مكانًا هامًا خطيرًا) فكانت هذه الأصوات الهستيرية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت