فهرس الكتاب
الظلم
أي ظلم هذا الذي نعانيه في سجن تدمر ..
إنه ظلمات .. يوم القيامة .. مقيت وكريه، مر ممجوج لا ترضاه النفوس السليمة ولا القلوب الحيّة والحقد عمى وضلال وتيه.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا ... فالظلم مرجعه إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
وإنا لا نجد لنا ملجأ إلا إلى الله، فنحن نضرع إليه وندعوه بالدعوة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام .. ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين ..
اليوم الثالث: (الأحلام)
اليوم هو اليوم الثالث في سجن تدمر العسكري ..
الأحلام هنا من نوع آخر .. صافية وضيئة معجبة، إنها نافذة لنا إلى الدنيا -التي فقدناها- إلى الحياة التي كنا نعيشها .. وأبدلنا الظالمون بها هذا الجحيم البشري، ففي هذه الأحلام نستشعر الراحة التي حرمنا منها، ونلمس السعادة التي فقدناها، فنجد في الأحلام سلوى وبشرى. في هذه الليلة رأيت والدي وبعض أهلي وأخذت يد والدي فقبلتها، وكلي احترام وحب له، وهو يدعو لي .. كان ذلك في وضوح عجيب ..
ويحدث الإخوة في المهجع كل بما رآه من طيب الأحلام والرؤى. قال أحدهم:"جئت الآن من بيتنا من عند أمي والأولاد، كنت بينهم سعيدًا هانئًا. قبلت أمي ورأسها وبكيت سرورًا".
هنأت هذا الأخ على رؤياه: قلت عسى أن يجعلها ربك حقًا، وما ذلك عليه بعزيز، وأمسكت دمعة ترقرقت في عيني، فإني مشتاق إلى رؤية أمي الحنون المصابرة، مشتاق أن أقبل يديها وأبللهما بالدموع.
قال الأخ أبو عبدو ساخرًا: ما هي إلا أحلام، لم يبق لنا في هذه الدنيا شيء (مستحب مقبول) سوى الأحلام، فعيشوا في الأحلام فموتكم والله قريب، على أيدي هؤلاء المجرمين في هذا المكان اللعين.
فقلت له: يا أبا عبدو لئن كانت أحلامًا فإنما هي -وبحمد الله أحلام جميلة، ورؤى صادقة صافية مبشرة، وإنها لنعمة عظيمة من الله- ولن نموت حتى ينتهي أجلنا وإنا نؤمن بقدر الله ونثق أن لنا