فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 711

السجن على نفسه أن لا يترك للمعتقلين ساعة من الراحة والأمان في ليل أو نهار، وأن يملؤوا حياتهم عذابًا وإرهابًا وقهرًا، حتى عششت الرهبة والقلق والتوتر في جو المكان وفرخت، وعاد السجن وباحاته ومهاجعه ميدان عذاب وإرهاب لا ينقضي، تنبض نسماته بالعذاب وتصطفق أبوابه بالرعب ويمتلئ جوه بعويل المعذبين وأنات البائسين .. فما تنقضي محن المعتقلين فيه، كأن أيامه ظلمات بعضها فوق بعض والمنقذ الوحيد للنجاة هو الموت.

في هذا المكان الرهيب وفي هذا الجو القاتم توجد طيور صغيرة الحجم ندية الصوت كثيرة الحركة والتنقل، إنها العصافير تستيقظ باكرًا لتسعى وراء رزقها دون هم ولا غم، تشدو بأصواتها الجميلة مع بعضها ويعلو صياحها ثم يتفرق كل إلى حالة آمنة مطمئنة سعيدة فرحة تبني أعشاشها وتضع بيضها وتربي أفراخها، فهي في اجتماع وانتشار وتناج وصياح وغدو ورواح في حياة هانئة وأصوات فطرية وحركات ممتعة مسلية.

كيف يجتمع المتناقضان ويأتلف الضدان: الخوف والأمان، في هذا المكان؟ إلا أن الله في خلقه شؤونًا!

أيتها الطيور الصغيرة الوادعة، ما أسكنك في هذا المكان .. العاتي الرهيب حيث القهر والآلام والأحزان لا تنقضي، حيث الظلم والتجبر، حيث الموت بصورته الكالحة .. حيث انقلب بعض بني البشر ذئابًا ووحوشًا مفترسة وحيوانات مؤذية، أفاعي وعقارب تلدغ وتعض وتنهش أليس لك أيتها الطيور الوادعة في غير هذا المكان حياة؟ أم أنك لنا سلوى وتعزية؟

غارات وقمل

لم يكتف زبانية سجن تدمر بما يوقعونه بنا من عذاب طوال ساعات النهار، بل تفتقت أذهانهم عم صور أخرى للعذاب ينزلونها بنا في أواخر الليل وتحت جنح الظلام.

فوجئنا ليلة البارحة بأصوات صراخ وعويل جماعي ينطلق فجأة من أحد مهاجع السجن القريبة، رغم أن الوقت كان بعد منتصف الليل، وغلت الدماء في عروقنا غضبًا وقهرًا من هذا البغي والعدوان الذي يمارسه الزبانية الأنذال، الذين لم يكتفوا بكل حفلات العذاب اليومية فجاؤوا في الليل يعذبوننا وينغصون علينا هذا الوقت القليل الذي نرتاح فيه من بغيهم وفجورهم .. وكان الأعجب من كل ذلك ما ذكره أحد المعتقلين من أن أحد الجلادين قال مهددًا: (ظبطوا يا كلاب بدنا نجيكم غارة ليلية) .

اكتشفنا منذ بضعة أيام أن القمل منتشر بين المعتقلين في مهجعنا وبكثافة كبيرة .. كان ذلك مقرفًا حقاُ ولكنه واقع حاصل لا يمكن إنكاره، كثر الحديث بيننا عن أسباب وجود القمل ومصدره، وتبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت