فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 711

لنا أن السبب هو ما نحن فيه من تضييق وحرمان من وسائل وإمكانيات النظافة والاغتسال، وأن هذه الحال تحتم وجود القمل وانتشار مختلف الأمراض السارية.

وكانت الوسيلة الوحيدة الممكنة لمكافحة القمل هي"التفلية"حيث يقوم كل منا بخلع ملابسه والبحث عن القمل فيها والتخلص منه، وكنا نجد القمل وقد تغلغل في طيات الثياب وهو منتفخ البطن بما امتص من دم، ثم تبين لنا انتشار نوع آخر من القمل بيننا هو قمل العانة (ضبوع) وهو قمل من نوع آخر لا يصيب إلا منطقة العانة وما حولها، حيث يلتصق بأصول الشعر ويضع بيوضه عليها، ولم يكن من السهل معالجة هذا النوع من القمل، لأنه كان أشد سوءًا من سابقه.

العيد

كان يوم 20/ 10/1980 هو أول أيام عيد الأضحى المبارك، أمل بعض المعتقلين أن يذكر العيد بمعانيه السامية طغاة بلادنا بلزوم وضرورة الصفح عن المعتقلين الأبرياء، ولكن خاب فألهم، فها هم الزبانية لا زالوا على ماهم فيه من بغي وشر لم يلتفتوا إلى العيد، ولم يفهموا من معانيه السامية شيئًا.

وفي الساعة الثانية ظهرًا جاء زبانية السجن إلى مهجعنا لإجراء التفقد اليومي ولإدخال طعام الغداء، وحينما خرج اثنان منا لإدخال طعام الغداء ويسمونهما (السخرة) ضربوهما بعنف، ثم دخل الزبانية المهجع، وبينما كان الرقيب يعدنا كان نفر من الزبانية مندفعين في تعذيبنا ثم أخذوا اثنين من المعتقلين: الأول رقيب سابق في الجيش ويدعى مبارك، والآخر فران في مدينة ساحلية، وأخذوا يتفننون في تعذيبهما، ثم أجبروهما على غمس رأسيهما في (الشاكرية) وهي لبن مغلي كان لا يزال شديد الحرارة، وبعد خروج الزبانية بادرنا إليهما وغسلنا رأسيهما بالماء، فأما الأول فقد سلق جلد رأسه باللبن المغلي وتنفط ثم أخذ بعد ذلك ينز بالماء والقيح وكان الأخ المعتقل يشعر بآلام شديدة وبقي مع ذلك دون علاج.

أما المعتقل الثاني فقد أصيب وجهه ببعض الحروق، وحمى الله عينيه من الأذى، كانت الإصابات التي تقع بنا من الكثرة بحيث اعتدنا أن نتوقعها في كل حين، ونبادر إلى تشجيع المصاب وتثبيته، وكنا نعتبر أن هذه الإصابات أوسمة فخار لا ينالها أي واحد، هكذا بسهولة، وأنه سيكون لها الوزن الراجح في ميزان العدالة الربانية، فهي الأجر في الآخرة والعافية والسلامة في الدنيا بإذن الله.

بعد تناول طعام الغداء البسيط، جلس كل منا في مكانه وقام بعض الأخوة يوزعون"دوسير العيد"وهو مقدار يسير من الفاكهة شبه الفاسدة، وكانت حصة المعتقل حوالي نصف موزة وبضع حبات من العنب وجزء من تفاحة .. كان هذا يذكرنا بالفاكهة المحرمة علينا في هذه الأيام والتي لا نرى منه إلا ما يذكرنا بها فقط، أو ما يمكن أن يستعمل للشم (شم ولا تذوق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت