فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 711

ورغم كثرة وإحاطة البلاء بنا في سجن الموت في تدمر، ورغم بعدنا عن أهلينا في هذه المناسبة الكريمة، التي يلتقي فيها الأحباب، فإننا شعرنا بالرضى والاطمئنان يغمران قلوبنا، حتى كنا نشعر أننا في كنف الله وتحت ظل رحمته، مغمورين بلطفه وكرمه، محاطين بعنايته سبحانه، وشعرنا كأن فيضًا من السعادة يحيط بنا، حتى تمثلت بقول الله سبحانه:"إخوانًا على سرر متقابلين) دون أن أستطيع تحديد مبعث ذلك أو مصدره، أهو السعادة بمجالسة الأخوة والأحباب أم هو الشعور بالأمان أم هو روح من عند الله غمر ذلك المكان التعيس البائس، فأحال وحشته أنسًا، وظلمته ضياء، وضيقه سعة ورحابة، فالحمد لله على كل حال .."

الظلم والغيرة الإلهية

الجلادون في سجن تدمر العسكري لا يقيمون للخير والصلاح وزنًا .. ولا يعيرون انتباهًا لكرامة كريم أو كبر مسن .. أو ضعف مريض .. أو حرمة بريء مسكين، فهم قساة، غلاظ .. عتاة .. وأسيادهم يؤزونهم ويمدونهم في الغي ويزينون لهم عمل الشر والفساد .. سلبوا إرادتهم وشوهوا أفكارهم، ووجوههم إلى ما يريدون من أغراض دنيئة .. والحكام المتسلطون على رقاب العباد بالقهر يعبثون في الأرض والبلاد ظلمًا وفسادًا، لا إيمان يضبطهم ولا أخلاق تردعهم، ولا شرف ولا ضمير ولا مروءة .. همهم الكرسي .. والمال .. والزيف .. والضلال .. والمعتقل المسكين ليس له -في سجن تدمر العسكري- قيمة أو اعتبار ولا حرمة ولا كرامة ولا حقوق، فلا حق للمعتقل في التملك ولا في العيش ولا الطعام ولا الأمان، ولا حق للمعتقل في أي شيء ..

فقد كل ذلك على عتبة السجن، وهو داخل ومجرد بقائه حيًا إنما هو تفضل (غير مقصود) لأنه لم يمت حتى الآن .. ولأن جهاز السجن والمسؤولين، غير مهتمين أصلًا بقتله فورًا .. لأنه ليس مثيرًا له من جهة .. (ولو كان لقتل رغم أنفه .. شنقًا حتى الموت أو عذابًا) .. ومن جهة أخرى أنه يبقى رقمًا في الحساب .. الذي يجب أن يصفى .. عن قرب، التصفية هي الأساس تصفية هؤلاء وهذه الرؤوس وما تحتوي من أفكار .. لقد كان هؤلاء المعتقلون يرفعون الرأس عاليًا .. ويتحدون .. بأفكارهم ومنطقهم وإيمانهم .. معتزين .. متفاخرين، فلئن لم يستطع الطغاة قهر الفكرة بالفكرة فسيقهرونها بالكرباج والبطش حتى تنمحي وتزول .. هكذا يظنون.

إن الطغاة يعبدون المادة ويرون أن القوة هي الأصل فيجب أن تحترم وتقدس .. أما ذلك المسكين الذي أوقعه سوء حظه في أيدي الطغاة ولم يعرف كيف يتملقهم ويسبح بحمدهم ويمجد سلطانهم، فسيعرفه الكرباج قيمته وسيعلمه العذاب والخوف والجوع هنا في سجن الموت كيف ينحني ذليلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت