فهرس الكتاب
صاغرًا أمام القوة الغاشمة وليأكل مبادئه وليخلصه تدينه وربه، لقد قالها الطغاة وأعلنوها بكل صفاقة وتبجح وغل.
قالوا: سنجعل المعتقل حيوانًا أعجم تحركه الغرائز فقط فيها وحدها يجب أن يعيش.
أحد الرقباء النابهين، حفظ عن أسياده حديثًا شجيًا، ففي الحلاقة وبينما هو وزملاؤه الجلادون في أوج انبساطهم يضربون ويعذبون المعتقلين، قدح زناد فكره وأخرج للمعتقلين مكنون سره فقال يبين لهم كيف سيعيشون وكيف يتصرفون .. وما يراد بهم ومنهم. فقال: (لا نريد منكم عقولًا ولا أفهامًا إنما نريد غرائز فقط .. سيدكم هنا أبو سمرة الكرباج وأخوه الدولاب) .. ثم أمر عددًا من المعتقلين أن يقبلوا الكرباج باحترام وتقديس ..
نظام سجن تدمر العسكري لا يعترف للمعتقلين فيه إلا بأنهم أرقام لا أسماء لها، ويهتم بإعطائهم قسطًا وافرًا من العذاب يوميًا في الصبح والضحى والظهر والمساء وما بين ذلك لا يقر نظام السجن للمعتقلين بأنهم بشر أحياء ولا أنهم متهمون أبرياء حسب القاعدة التي يرددها بعض الأغبياء في العالم من أن (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) !! بل هو قد طور هذه القاعدة إلى (أن المتهم مدان يجب تصفيته) نظام تدمر يحرم على نزلائه الأمان والراحة .. ويحرم عليهم الكلام والنظر ويحرم السؤال والحركة ويحرم الاحتجاج على تصرف الجلادين .. فتصرف الجلادين قانون نافذ .. ونظام السجن يعتمد على الكرباج والدولاب والعذاب والإرهاب وغاية نظام السجن .. المعلنة الواضحة هي تحطيم السجناء وتصفيتهم، بعيدًا عن الأعين، ومن ناحية أخرى فإن نظام السجن ثوري استمد ثوريته من بين صخور الجبال الساحلية العالية، فهو لا يلتفت إلى كل ما وهبه الله للإنسان من كرامة وما حباه من نعم، وما جعل له من حقوق وحرمات، فكلها في اعتبار الطغاة من المخلفات والمعوقات حتى غدا التنفس في سجن تدمر (قطعًا للنفس) .
يخرج الجلادون المعتقلين للتنفس في الباحة بالدور ومهجعًا وراء مهجع ومدة التنفس من 20 - 30 دقيقة ومعلوماتنا عن التنفس والنظام والجلادين والعذاب تجعلنا حتى في وقت الهدوء خائفين قلقين كيف لا .. والكرباج لا يغيب من أيدي الجلادين .. فإذا أخرجنا إلى الباحة سارعنا راكضين مطرقين ندور (حسب الأوامر) في جنبات الباحة أو نجلس القرفصاء متراصين منحني الظهور دون حركة أو همسة .. الجلادون يضربوننا بقسوة لا يرحمون .. ومن أصيب فبقدره ومن قتل فقد انتهى أجله، وينال القاتل الثناء ويحيا بالإكرام والمنح ..
وفي هذا الوقت تطول الدقائق والثواني ويصبح لها قيمتها ذكرًا واستغاثة عذابًا وإرهابًا وصبرًا واحتسابًا ..