فهرس الكتاب
أتأمل الأرض أمامي وأرى حبات الرمل وأطراف الجدران السفلى، أي وضع غريب نحن فيه؟ وأي ظلم هذا الذي يقع بنا؟ ولكني أشعر أن الله معي، بل إن كل شيء في هذا الكون معي.
حبات الرمل معي .. تحدثني وتؤيدني وتغضب لي بل لنا أجمعين، فحبات الرمل هذه ليست ظالمة لو كانت مخيرة لما رضيت أن تكون في جدار يحجز الناس عن حياتهم وعن معاشهم ظلمًا وغشمًا ولكنها مسيرة، فلو نطقت لاحتجت ولملأت الدنيا صراخًا وأعلنت احتجاجها على الظالمين، وتأييدها للأبرياء المستضعفين، ولو استطاعت أن تكون قذيفة حق قاتلة، لوجهت نفسها إلى رؤوس الجلادين وأسيادهم المجرمين فحرقتها، وقامت بواجبها في ضرب الباطل المتبجح حتى تذيقه الصغار والمحق.
وهذه الجدران والأحجار التي فيها تحتج على ما استخدمت فيه من طعن الأبرياء تحتج على موقعها.
يوم 27/ 10/1980
في الساعة الثامنة صباحًا بدأت عمليات الحلاقة في باحتنا، وباحتنا هي المكان الذي اختاره الزبانية لهذه العمليات، حيث يجلبون إليها نزلاء المهاجع على التوالي، فيجرون لهم الحلاقة وعذابها في هذا المكان، لأن باحتنا هذه بعيدة عن أطراف السجن المواجهة لمدينة تدمر، وبالتالي فإن أصوات العذاب وصراخ المعذبين يكون أبعد عن أسماع الناس في الخارج.
ولكن دور الحلاقة وصل اليوم إلى مهاجع باحتنا، وبدئ بالمهجع رقم (8) ونشطت عمليات التعذيب وأخذنا نسمع أصوات المعذبين وهم يصرخون متألمين مستغيثين بأصوات تمزق القلوب، وكنا نعيش معهم في قهر وعذاب شديدين، وكان الدعاء هو متنفسنا الوحيد، فكنا ندعو الله سبحانه ونفزع إليه ونستغيث به، نستعجل قضاءه في الظالمين وانتقامه منه المجرمين، وفرجه للمستضعفين، وكان جميع الأخوة في المهجع على لسان واحد، يدعون ويستغيثون في إلحاح وتبتل، كما أننا هيأنا أنفسنا للعذاب، فلبسنا كل ما لدينا من ثياب، ولف الأخ أبو بدر معصميه بقطعتي قماش، كل ذلك استعدادًا لحفلة العذاب التي تقترب منا. أخذت أتجول في أطراف المهجع وأنظر من خلال قضبان النوافذ الحديدية إلى السماء الزرقاء بألم، وكنت أقول لنفسي: ها هنا يصنع الرجال فكما تصهر النار المعدن وتنقيه من خبثه، فإن المحن والشدائد تصقل القلوب وتنقيها من خبثها وتخرجها نقية صافية ..
كان حفل العذاب في الباحة لا يزال على أشده، وصراخ المعذبين ونهر الجلادين مستمران، وصوت الكرباج اللعين كأنه مطارق ثقيلة تدق برتابة، وكانت أيدي الأخوة المعتقلين مرفوعة إلى الله يدعونه