فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 711

بحرارة، ودموع الرحمة والألم والقهر تنهل من عيونهم وتداعى إلى ذهني شطر بيت من الشعر انطلق به لساني: دأبي التوسل حاشا أن تخيبني، فأخذت أردده في استغراق ..

بدا في السماء صفاء غريب أخذ يظهر من بعيد كأنه نور يطل على الوجوه، شعرت بالسكينة تغمر كل شيء، وأحسست بالرضا والطمأنينة بذكر الله.

كان في الباحة فتى يعذب وهو يصرخ: (أنا بدي أموت) ورجل كبير السن يصرخ متألمًا مستغيثًا: (دخيل الله، دخيل الله) وفجأة سكتت الأصوات وانقطع صوت الكرباج وتوقف حفل العذاب ..

وجاء دورنا في الحلاقة فأتى الزبانية إلينا وأخرجونا إلى الباحة وقال أحد الجلادين: لا تخافوا ما في قتل. ولم نصدق آذاننا، وقد عشنا أكثر من ثلاث ساعات مع عذاب إخواننا، ولكننا شاهدنا الكرابيج ملقاة على الأرض ودسناها بأرجلنا العارية، وكبرنا في سرنا (الله أكبر، الله أكبر) ومرت تلك الحلاقة بسلام دون عذاب لأول مرة ولآخر مرة أيضًا دون أن ندري لذلك سببًا.

يوم 1/ 11/1980

تبدلت عمليات التعذيب وتباعدت شيئًا ما وأخذنا نراقب ما يجري، كان هناك تبدل في المعاملة، ولكن عمليات التعذيب لم تقف إنما تبدلت صورتها، حيث صار الزبانية يتخيرون من يروق لهم من المعتقلين خلال التنفس أو غيره، فيضربونه ويعذبونه أو ينقضون علينا في هجمات منكرة فيضربون هنا وهناك. وكان بطل عمليات التعذيب في هذه الأيام العريف الحاقد الجلاد"شعبان"صاحب الصوت الأجش الذي لا يهدأ له أوار، ولا ينطفئ له حقد، وكان يتخير من بين المعتقلين كل من يعتقد أن له مكانة أو فضلًا، ويوقع به أشد العذاب، وهذا جزء من خطة غسيل الدماغ والتصفية الجسدية في سجن تدمر.

يوم 11/ 11/1980

أيقنا أن ما يجري في السجن من تبدل في المعاملة ومن شدة عذاب وقسوة إنما هو وليد أهواء متقلبة يسيطر عليها حقد غريب ومرض نفسي عجيب، فبعد هدوء نسبي اشتدت حميا الزبانية للعذاب وللإيذاء فجأة، فما سنحت لهم فرصة إلا وانقضوا علينا كالوحوش الكاسرة يضربوننا أشد الضرب غير السباب الفاحش البذيء والتهديد والوعيد.

ليلة البارحة جاء الزبانية في أول الليل ودون أن يفتحوا باب المهجع صرخوا فينا وسبونا وشتمونا وأمرونا بأن نقف باستعداد ونرفع أيدينا إلى الأعلى ونبقى كذلك والويل لمن يخالف هذه الأوامر، وهكذا أمضينا الليل كله ونحن على تلك الحالة، والزبانية يمرون ليراقبونا وليوسعونا سبابًا وفحشًا.

وكانت تلك الوقفة عملية تعذيب شديدة مؤلمة تورمت بسببها أرجلنا وأنهكت أجسامنا، ولكننا انتهزنا الفرصة لتلاوة القرآن، والإكثار من ذكر الله ومن الدعاء والاستغاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت