فهرس الكتاب
وفي الليلة التالية منعنا الزبانية من النوم أيضًا، وأجبرونا على الوقوف في صف خماسي وسط المهجع، وأخذوا يراقبوننا ويتجسسون علينا ليضبطوا من يجسر على الجلوس، وقبل منتصف الليل شعرنا بالزبانية يتلصصون علينا، فلم نعبأ بهم، فاندفع أحد الزبانية يصرخ من النافذة الصغيرة الموجودة في الباب (الشراقة) : ولك حقراء والله لأفعل، وأخذ يقذف بالكلام الفاحش الرخيص ويهدد ويتوعد (والله لأعدمكن يا منحطين يا كلاب، ولك والله لأشرب من دمكن .. ولك المشانق جاهزة يا حيوانات، ولك الكلاب ما عم تأكل جثثكم يا حقراء) وكان يشدد في كلامه ويصر على أسنانه وهو يقذفنا بهذا الكلام مظهرًا ما في قلبه الأسود من الغل والحقد الرخيص! كان بريق الدم يلمع في نبرات صوته كأنه وحش جائع يبحث عن فريسة.
يوم 20/ 11/1980
كان اندفاع الزبانية إلى الشر وما يظهر منهم من حقد وغل وفجور يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، ولكن مهما بيتوا لنا من شر وغدر فإنا لم نكن نبالي بهم ولا بما يبيتون، لأننا وطّنا أنفسنا على التسليم لقدر الله، وصار الموت في سبيل الله هو أقصى ما نتمناه خاصة وأن فيه الخلاص من بلاء السجن وبغي الزبانية الأنذال.
جاء زبانية السجن في أول الليل والظلام قد خيم على الوجوه، فقرعوا باب المهجع بضربة كرباج قوية دوى لها المكان، وصرخ أحدهم: (ولك عرصات، اسمعوا، اللي بيطلع اسموا بقول حاضر) ، وقرأ قائمة طويلة من الأسماء تزيد على ستين اسمًا، كان من بينها أسماء ثمانية من الأخوة المعتقلين في مهجعنا، وأسماء سبعة وثلاثين معتقلًا من المهجع المجاور (كما علمنا بعد ذلك) وقال الجلاد لمن نودي بأسمائهم: (حضروا حالكن ولك، بكرة عندكن محاكم) .
فالتبس الأمر علينا لأننا فيما نعلم قد عرضنا جميعًا على المحكمة الميدانية في معتقل كفرسوسة بدمشق والتي كان قاضيها النقيب سليمان حبيب، ولكنه لم يبلغ أيًا منا أي حكم إنما كان كلامه مجرد تهديدات خفية، وإشارات عابرة، حتى ظننا أنه ربما تجري محاكمتنا هذه المرة بصورة أخرى تكون أكثر واقعية، ولعله أن يكون فيها شيء من الإنصاف والعدالة. كانت الوصية الأولى لهؤلاء الأخوة هي أن يكشفوا للمحكمة المزعومة ما جرى معهم سابقًا من عذاب، وما استخلص عناصر المخابرات منهم من اعترافات بالإكراه، ثم ما يجري هنا في سجن تدمر من ظلم وبغي وإجرام، كما أوصيناهم أن يسربوا ما استطاعوا من أخبار السجن وما يجري فيه، إلى الناس، ليعرفوا وليدركوا ما يرتكب في حق أبنائهم من سوء.
حضر أولئك الأخوة المطلوبون أنفسهم ولبسوا ثيابهم وصرّوا الأغراض القليلة التي كانت لديهم استعدادًا للرحلة المجهولة .. تسحّر أغلبهم ونووا الصيام وقاموا يصلون ..