فهرس الكتاب
وفي الساعة الرابعة صباحًا قبيل الفجر جاء الزبانية ففتحوا باب المهجع وطلبوهم، فربطوا أيديهم وعصبوا أعينهم واقتادوهم خارج المهجع.
ومع أنه بدا لنا في حينه أن هؤلاء الأخوة مأخوذون للمحاكم من أجل محاكمتهم، ومثل هذا يعد نصرًا كبيرًا خاصة إذا كان في المحكمة ظل عدالة، إلا أن قلوبنا كانت منقبضة جدًا، وبكينا لفراق هؤلاء الأخوة وللمجهول الذي كان ينتظرهم.
كانت هذه المحاكم لغزًا لم نكتشفه إلا بعد مدة طويلة، وبعد أن حاول كثير من الأخوة المعتقلين التغطية عليها إشفاقًا على إخوانهم، ولكن الحقيقة المرة تكشفت وظهرت بجلاء ووضوح، فكان من يطلب بعد ذلك باسم"محاكم"يدرك أنه ذاهب للقاء ربه، فيودع إخوانه وهو ثابت الجنان ووجهه مشرق بالابتسام، ولسانه يترجم عن قلبه: يا مرحبًا بلقاء الله.
يوم 23/ 11/1980
ثلاث دفعات من المعتقلين تصل إلى سجن تدمر أسبوعيًا على الأقل، ويتلقاهم زبانية السجن بوسائلهم الجهنمية، فينظمون لهم حفلات العذاب والتحطيم، ويرتفع صراخ المعذبين واستغاثتهم على مدى ساعات طوال تشمل أحيانًا غالب النهار وبعضًا من الليل.
اليوم ومنذ الفجر بدأت حفلة العذاب لمجموعة من المعتقلين القادمين حديثًا إلى سجن تدمر، واستمرت حفلة العذاب حتى منتصف النهار، والزبانية ماضون في سوء ما يصنعون، لا تصل أصوات المعذبين واستغاثاتهم إلى آذانهم ولا تؤثر في قلوبهم المتحجرة بل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقر، وفي بصائرهم عمى فهم لا يبصرون، فقدوا طبعهم البشري وحسّهم الإنساني، وغدوا آلات صماء عمياء، فكم حطموا من فتى ماجد مؤمن، وكم اعتدوا على رجل مسن كريم فاضل، وكم عذبوا من طفل أو غلام رقيق وادع، وكم أهانوا من عالم جليل وكسروا عظامه وأحرقوا لحيته، وكل ميزة خيرة يتميّز بها المعتقل سواء أكانت هذه الميزة شهادة عالية أم منصبًا رفيعًا أو درجة علمية أو صفة صلاح وتقى، فإن لها عند زبانية سجن تدمر تأثيرًا عكسيًا، فبدلًا من تقدير صاحب الميزة واحترامه عليها فإنهم ينقضون عليه ويعذبونه أشد العذاب، وكأن ميزته هذه ذنب اجترحه حتى أن الزبانية يزيدون في عذاب المعتقل الطويل لطوله والقصير لقصره، والبدين لبدانته وعلى هذا فقس، مما لا يفطن له إلا إبليس في أحكامه.
كنا ننتهز فرصة ابتعاد الزبانية عنا فنتحدث فيما بيننا همسًا، ويتعرف كل منا على قصة أخيه وكيف اعتقلته المخابرات، وعن السبب الذي أدى به إلى الاعتقال، ورغم أن أسباب الاعتقال كانت متفاوتة كثيرًا وأن أغلبها تافه بسيط، فإن النتيجة كانت الإرسال إلى سجن التحطيم سجن تدمر.