فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 711

ورغم تباين مستويات المعتقلين في مهجعنا من النواحي الفكرية والعلمية والنفسية والاجتماعية وغير ذلك، فقد صهرتنا المحنة في بوتقة الألم والقهر والعذاب والإرهاب، فصفت قلوبنا من الأكدار وتقاربت أرواحنا وتألفت وتلاحمت في شعور واحد ونبض واحد، وهمّ واحد، فهي تعاني حرقة الألم ومرارة الظلم وحسرات القهر، وتعمرها حرارة الإيمان وعزيمة الثبات وصدق الإنابة إلى الله، مع الشعور بعناية الله ولطفه. واستمطار رحمته والتطلع إلى عدالته والأمل بفرجه ونصره.

يوم 4/ 12/1980

قام زبانية سجن تدمر بعملية تجميع ضموا فيها نزلاء كل عدة مهاجع إلى بعضهم البعض، وذلك لأن أعداد المعتقلين في المهاجع قد تضاءلت بعد أخذ تلك الأعداد الكبيرة باسم (محاكم) ولأن زبانية السجن بحاجة إلى مهاجع فارغة يضعون فيها الأعداد الكبيرة من المعتقلين الذين يؤتى بهم إلى سجن تدمر لأنهم يحرصون أن لا يخلطوهم بنزلاء السجن السابقين مدة من الزمن حتى يطبقوا عليهم برامج العذاب والتحطيم المقررة لهم.

وهكذا فقد ضم نزلاء مهاجع الباحة الثانية إلى بعضهم بعضًا، ووضعوا في مهجع واحد هو المهجع رقم عشرة، فارتفع العدد فيه من أربعين معتقلًا إلى مئة وخمسة عشرة معتقلًا، وقلّت حصة المعتقل من أرضية المهجع، ولم يعد هناك إمكانية للراحة في النوم أو غيره نتيجة الزحام الشديد.

زادت الكثافة كثيرًا بعد عملية التجميع، وضاقت المهاجع بساكنيها، وفي مهجعنا كما في كل المهاجع نبتت مشاكل مختلفة وأشدها كان مشكلة المنافع والمراحيض، فكان الوصول إلى المرحاض أمرًا صعبًا، فكانت تحدث أزمات شديدة على المراحيض ابتداء من الاستيقاظ في الساعة السادسة.

من بداية الوقت يكون قد اصطف عدد كبير للوصول إلى المراحيض، ويمضي الوقت الساعة والساعتين وقد لا يصل الدور لكثيرين مما جعل الأمر مشكلة حقيقية ملحة .. حتى غسل الوجه واليدين أصبح مشكلة تحتاج إلى نظام وترتيب وانتظار.

وبات النوم عسيرًا في هذا الزحام الشديد (ولم ندر أن ذلك الوضع على ما فيه من سوء وضيق ومشاكل يعد نعمة كبرى، لما سيصير إليه الحال بعد ذلك، وبالتحديد بعد نصف عام .. ) .

وكان بعض الأخوة المعتقلين يقومون بضبط أمور المهجع وتنظيمها بروح أخوية خالصة، فهم يقومون بترتيب الدور للمنافع وتحديد صورته، كما يقومون بتوزيع الطعام، بعد أن تدخله السخرة من خارج الباب، وينظفون الأواني ويرتبون عمليات الغسل والتنظيف وغيره، وكان انضباط الأخوة وتعاملهم الأخوي وتحملهم لمختلف المضايقات والصعوبات آية في التعامل الحسن، فقد كانت روح الأخوة تحل جميع المشاكل وتتجاوزها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت