فهرس الكتاب
هلّ عام 1981 جعله الله عام خير وفرج ورحمة لبلادنا العزيزة وللمعتقلين في سجن تدمر وفي غيره من المعتقلات والسجون؟
الزبانية هذه الأيام لم يعودوا قادرين على التوغل داخل المهجع لضربنا وتعذيبنا، كما كانوا يفعلون سابقًا، وذلك بسبب ازدحام المهجع بالمعتقلين، ولكنهم كانوا يضربون السخرة التي تخرج لإدخال الطعام والمعتقلين القريبين من باب المهجع، كما ينتهزون مناسبات التنفس والحلاقة للاعتداء علينا بالضرب والعذاب، وصار التنفس يومين في الأسبوع والحلاقة أسبوعيًا للوجه، وشهريًا للرأس، والحمّام أسبوعيًا ولكنه كان حمامًا بالاسم فقط.
جاء زبانية سجن تدمر فطلبوا المعتقلين الأحداث مواليد 1963 وما بعد، فجمع هؤلاء الشباب أو الغلمان الصغار من بيننا، وكان في مهجعنا منهم حوالي خمسة عشرة غلامًا منهم عماد طالب في الصف التاسع، وأبو عبدو وعمره اثنا عشرة عامًا، وكانوا نشيطين مندفعين يتولون غالب أعمال الخدمة في المهجع، ويقدمون أنفسهم فداء لإخوانهم في حال العذاب، وكان هذا التقدير منهم لإخوانهم الكبار، وهذه الشجاعة والفداء مثار إعجابنا وفخرنا، حتى كنا ننظر إلى أنفسنا خجلين ونحن نراهم بهذا الثبات وهذه القوة، فأحزننا وأهمنا أن يؤخذ هؤلاء الأحباب من بيننا، وخاصة حينما علمنا أنهم سوف يوضعون في مهاجع خاصة وحدهم، فخشينا عليهم أن يصيبهم جراء ذلك مكروه في حياتهم ومعيشتهم أو في أفكارهم، وليس بينهم كبير ذو خبرة يرجعون إليه ويسترشدون برأيه، ولما لم يكن بأيدينا أن نصنع لهم شيئًا فقد سلمنا أمرنا إلى الله وسألناه سبحانه أن يتولاهم برحمته ويحوطهم بلطفه وعنايته، ويحفظهم من كل سوء.
ظهرت منذ أيام إسهالات شديدة بين عدد كبير من الأخوة المعتقلين دون أن نعرف لها سببًا، سوى أن الطعام ملوث وغير نظيف ..
أبلغنا مسؤولي السجن بما نعانيه، فكان رد الزبانية: (خليكن تموتوا يا كلاب) واشتد أخيرًا المرض على عدد من المعتقلين منهم المعتقل مصطفى قاسمو، وهو رهينة عن أخيه المتواري، والأخ مصطفى راشد ذي النون الدمشقي وغيرهما، وغدا هؤلاء الأخوة نحيفي الأجسام شاحبي الوجوه.
ترافق الإسهال الشديد بقيء متكرر لدى الأخ مصطفى راشد منذ البارحة، وساءت حاله أكثر واشتد عليه الدوار والدوخة حتى لم يعد يستطع القيام، فكان الأخوة يحملونه باستمرار إلى