فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 711

المراحيض ليتمكن من قضاء الحاجة، ولما أبلغ رئيس المهجع زبانية السجن عن حالة الأخ الخطيرة، كان جوابهم السابق ذاته: (خليكن تموتوا كلكم يا عرصات) وتفاقمت المشكلة أكثر حين لم يعد الأخ المريض يتمالك نفسه من التقيؤ والتبرز لا شعوريًا ملوثًا ثيابه وأغراضه، وكان يشعر بألأم وتيبس في مفاصله وأطرافه.

وفي المساء وحينما حلّ الظلام كان الأخ المعتقل مصطفى راشد ذي النون في سكرات الموت، وبلغ بنا الألم مبلغه فضربنا باب المهجع حتى حضر الحارس الذي على السطح فأبلغناه بأن أحد المعتقلين يموت، فسبنا وشتمنا وجاء الزبانية بعد مدة فأخبرناهم عن حالة الأخ فطلبوا إخراجه إلى الباحة، فحملناه على بطانية وأخرجناه إليهم وراقبناهم من وراء الباب المغلق، فتبين لنا أنهم لم يحاولوا إسعاف الأخ أو معالجته، وأنه ترك حتى مات ثم حمل من هناك إلى مثواه المجهول، فعليه رحمة الله ورضوانه، في الوقت نفسه كان معتقل آخر قد اشتد عليه القيء والإسهال حتى أنه لم يعد يتماسك نفسه تمامًا.

أثارت وفاة المعتقل مصطفى راشد واشتداد مرض الإسهال والقيء على أخوة آخرين الأسى والقلق في نفوسنا، فها هو ذا الموت قد اختطف واحدًا منا وهو في سبيله لاختطاف آخرين ما دام هذا المرض مستفحلًا بيننا دون أن يسمح لنا زبانية تدمر بأي علاج.

إن وزر ما يجري في سجن تدمر ليس على الزبانية بشكل أساسي، بل إنه من تخطيط رجال السلطة الطائفيين، وما هؤلاء الزبانية إلا أدوات منفذة فقط.

أول البارحة وبعد أن اشتد مرض الإسهال والقيء على عدد من المعتقلين في مهجعنا، قرر بعض ذوي الخبرة الطبية من الأخوة المعتقلين أن ما نعاني منه ما هو إلا جائحة وباء الكوليرا، وأننا معرضون جميعًا لخطر الموت بهذا الوباء .. فقرر الأخوة إبلاغ مسؤولي السجن عن الوضع صراحة، متحملين ما قد ينالهم من بغي الزبانية واعتداءاتهم، ولكن الزبانية الجبناء أرعبهم وباء الكوليرا فلم يترددوا هذه المرة في استدعاء طبيب السجن وهو طبيب شاب حديث التخرج قليل الخبرة، فاستعان بطبيب آخر أكبر سنًا وأكثر تجربة، وهو طبيب مستوصف مدينة تدمر، فجاءا وكشفا على المرضى واستجوبا عددًا منهم، وكانت كل الدلائل (التشحيص السريري) تشير إلى أن هذه الحالات وباء الكوليرا ..

بادر الطبيبان باتخاذ بعض الإجراءات، فعزل المصابين بالإسهال مباشرة، وأعطى للمدنفين منهم -أكياس السيروم- إضافة إلى الدواء المناسب، كما أخذت مسحات شرجية لهؤلاء وأرسلت للمختبر ولكن توقفت اليوم كل هذه الإجراءات فجأة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت