فهرس الكتاب
وفي السابع من آذار جاء الرقيب وطلب جمع مبلغ ليرتين عن كل معتقل للزينة، ولم يرض بإعفاء المفلسين، فدفع المبلغ تامًا، وهكذا نشطت عمليات جمع النقود من المعتقلين نشاطًا عجيبًا، وعجزت بعض المهاجع عن تأمين كل هذه الطلبات وأعلنت إفلاسها، فكان الجلادون يتشددون في الطلب ويهددون بالتفتيش لاستخراج النقود، وقال الرقيب مرة وهو يشتم: إن كل هذه المبالغ تذهب"لتحسين الطعام"للسجين فأي تحسين وأي طعام؟ وقال بعض المعتقلين: الدولة أفلست فلم تعد تستطيع تقديم الطعام، فهي تجمع هذه النقود لتأمين الطعام .. وقال آخرون غير ذلك .. ولكن الرأي الصحيح أنها سرقات منظمة تحت ظل الكرباج وأن حاميها حراميها.
العجيب في الأمر أن جهاز السجن بعد جمع مبلغ (2) ل. س من كل معتقل في السجن للزينة .. وزعوا على كل مهجع من مهاجع السجن صورة لحافظ أسد مع حبل من حبال الزينة، وكان لابد من لصق الصورة في مكان ظاهر، وكان أمراَ مضحكًا مبكيًا فقد كانت هذه الصورة مثار تذكير للناسين من المعتقلين في كل حين، فكنا نصب على صاحب الصورة وأخيه، قسمًا كبيرًا من خالص دعائنا، ولا ننساه من اللعنات كلما رأينا الصورة في ليل أو نهار ..
اجمعوا أموالكم
رأى أحد الأخوة رؤيا جميلة بديعة مبشرة حرنا في تأويلها: رأى الأخ النبي صلى الله عليه وسلم يطل عليه من الفتحة الموجودة في سقف المهجع، فكلمه الأخ وسلّم عليه وسأله ملهوفًا: يا رسول الله متى الفرج؟ يا رسول الله متى النصر صلى الله عليك؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: الفرج قريب والنصر قريب، اجمعوا أموالكم ..
فأولها بعض الأخوة أن نجمع ما عندنا من مال فنصرف منه بشكل جماعي لأغراض المهجع وحاجات المحتاجين، وقد فعلنا في مهجعنا ذلك، فجمعنا غالب المال الموجود وجعلناه في أيدي نفر من الأخوة ليصرفوا منه .. ولكن السخرة الشهرية أتت عليه ولم يبق منه شيء.
وهكذا بدا يقينًا أن المال مهما كان مبلغه فسوف يستهلك خلال فترة يسيرة (في ظل نظام السرقة المنظمة هذه) حيث أن من لديه مال كان مجبرًا على دفع مبلغ (10) ل. س شهريًا عن نفسه، وأن يدفع عن كل من ليس معه نقود في المهجع، وكان أغلب الأخوة بعد شهرين أو ثلاثة من (السخرة الشهرية - السرقة المنظمة) بغير مال ..
وفطن بعض الأخوة إلى تأويل الرؤيا، فوعوا أمر النبي أنه يوصيهم بحفظ أموالهم وعدم التفريط بها، فأمسكوا أيديهم وأخفوا بعض المال بعد أن ذهب أكثره ولم يبق إلا أقله، وعملية السخرة الشهرية (السرقة) مستمرة، وهكذا استخلص الرقباء كل ما استطاعوه من أموال المعتقلين.