فهرس الكتاب
الدهن مرة ثالثة بعد بضعة أيام، وفي تمام الأسبوع يعادون إلى مهاجعهم. لقد عشت في مهجع الجرب أيامًا لا زلت أذكرها في نفسي، كانت مليئة بالغرائب والمشوقات، والتقيت فيها بمجموعة طيبة من الدعاة الإسلاميين والرجال الطيبين، والمربيين والنوابغ، وضباط مسرحين وطلاب أخذوا من مدارسهم، ومهندسين وأطباء وعمال.
المكيدة تنقلب على أصحابها
وكان مما علمت وسرني كما سرّ غيري .. أخبار مهجعي الأحداث فقد علمت أن الأحداث قد وضعوا في مهجعين هما (31 - 32) وأن هؤلاء الشباب قد صعب عليهم الأمر للوهلة الأولى واضطراب الحال بعض الوقت، ولكن قام من بينهم من ضبط الأمور ونظموا الأعمال وشدوا العزائم، وقووا الهمم حتى انتظم أمر الأحداث في كلا المهجعين، وصلح حالهم وظهرت فيهم أخلاق الإيثار والتضحية والبذل، ففي الطعام يؤثر بعضهم بعضًا، وفي التعذيب يفتدي بعضهم بعضًا، وفي الشجاعة ينافس بعضهم بعضًا، بل وفي التقى والصلاح والحكمة حتى فاقوا الشيوخ في كل شيء.
16/ 4/1981 تقييم لإجراءات علاج الجرب في سجن تدمر العسكري الصحراوي
لاشك أن مهجع الجرب والعلاج الذي قدم فيه، كان له تأثير لا بأس به في تهدثة المرض ووقفه جزئيًا، كما خفف من آلام المعتقلين الرهيبة في ناحية واحدة على الأقل من نواحي معيشتهم الملأى بالآلام في سجن تدمر العسكري، وهي ناحية الأمراض عامة ومرض الجرب خاصة، ولكن العلاج كان قاصرًا لا يعالج المرض بشكل جذري صحيح بل يعالج أعراض المرض ويترك كافة النواحي الهامة الأخرى، مثل وقف سريان المرض، التأكد من إجراءات النظافة والتطهير أو تأمينها، تأمين البيئة الصحية السليمة.
وهذه الأمور هي أساس العلاج في مرض الجرب خاصة .. وفي الأمراض السارية عمومًا .. ومع ذلك فما زالت الظروف البيئية والنظافة سيئة جدًا، والمعتقلون محجوزون في المهاجع الضيقة في زحام شديد يسهل معه بل يتأكد سريان مرض الجرب وغيره من الأمراض المعدية، حيث يتم انتشارها بأكثر من وسيلة، ولا يتأمن في هذه المهاجع أي شيء من وسائل النظافة إضافة إلى عدم إمكانية تطبيق النظافة والتطهير اللازمين لذلك كانت بيئة صالحة لمرض الجرب مسهلة لانتشاره وقوته.
ولعل أهم شيء أن يستمر العلاج بشكل دائم لاستمرار العدوى وعدم توقفها، وهذا ليس مجهولًا لدى جهاز السجن العسكري أو الطبيب .. حتى لقد سمعت بأذني الطبيب يكفر ويجدف لأن أحد المرضى الذي عولج قبل شهر فقط، يأتي الآن مصابًا بالجرب من جديد .. ولو درى هذا الطبيب لكفر بعمله وعلاجه القاصر الناقص الفاشل، وعلم أنه إنما يضحك بذلك على نفسه.