فهرس الكتاب
لذلك لما توقف العلاج في منتصف عام 1981 لم تمض سوى فترة بضعة أشهر حتى رأينا مرض الجرب وقد أصاب كل المعتقلين في المهجع بل وكل نزلاء السجن بدرجات متفاوتة، علمًا بأن عدد المعتقلين في ذلك الحين كان يقارب خمسة آلاف معتقل رغم أن مرض الجرب هذا مرض قديم وسيط وسهل العلاج.
ومع ذلك فإن الألوف المؤلفة من المعتقلين في سجن تدمر العسكري تعاني منه آلامًا رهيبة تقضّ مضاجعهم وتذيقهم العذاب في الليل والنهار ..
والإنسانية المغفلة غافية على هدهدات السلام والحرية والأمان.
قد يكون ما يجري إهمالًا أو نكاية ولكنه يبدو دائمًا في صورة القصد مع سبق الإصرار والتصميم، وليس مرض الجرب بالمرض الوحيد الذي يعاني منه نزلاء سجن تدمر، بل هو حلقة من سلسلة من الأمراض السارية وغير السارية والإصابات .. ويبقى كل ذلك دون علاج .. أو يعطي بعد ذلك علاج قاصر لا يسمن ولا يغني من جوع ..
من أخبار مهجع الجرب .. الإعدامات
كان من أخبار مهجع الجرب خبر بدا غريبًا غير معقول أو مقبول في حينه، وكان مفاده أن عمليات إعدام تتم هنا في سجن تدمر .. وإن ما يسمونه (المحاكم) حينما يطلبون بعض المعتقلين عند الفجر، ويأخذونهم مع أغراضهم ويقولون لهم أنتم مطلوبون (محاكم) فهذا الطلب إنما هو الإعدام .. وكان معنى هذا الكلام رهيبًا .. فسارعت كما سارع كثيرون غيري إلى ردّه وتكذيبه في الحال.
كان معناه أن كل أولئك الذين أخذوا باسم محاكم وهم عدد ضخم قد استشهدوا ومضوا إلى بارئهم، وهذا ما حاولنا نفيه واستبعاده، ولكن كان هناك أدلة تؤيده أهمها:
-التكبير الذي يسمع بعد أخذ هؤلاء المطلوبين (محاكم) بفترة ساعة أو ساعتين، وقد سمعه المعتقلون في عدد من المهاجع ..
-وهناك حادثة أخرى مؤيدة، ففي أحد المهاجع تواعد أحد الأخوة المعتقلين مع إخوانه، وهو يعلم أنه معرض للإعدام: إن كان هناك إعدام، على أنه إذا طلب (محاكم) كالعادة، ووجد أنه الإعدام، فسوف يعلن لهم عن ذلك بأن يصرخ بأعلى صوته: أنا فلان بن فلان أموت في سبيل الله ..
وقد طلب هذا الأخ بعد ذلك (محاكم) قبيل شروق الشمس، فلما أخذ تنصت زملاؤه في المهجع، فلم يلبثوا بعد ذلك أن سمعوا صوته ينادي بقوة: أنا فلان ابن فلان أموت في سبيل الله.
-ومن الأدلة على ذلك أن الجلادين كانوا يعصبون أعين المطلوبين (محاكم) ويوثقون أيديهم إلى الخلف.