فهرس الكتاب
علمنا هنا أن مرض الإسهال والقيء لم يكن محصورًا في مهجع أو مهجع معينة، بل هو وباء عام منتشر بين المعتقلين في مهاجع السجن كافة، وأن الطبيب أعلن انتشار وباء الكوليرا في المعتقل، وذلك بعد أن كثرت الإصابات والوفيات في العديد من المهاجع، واضطرت إدارة السجن إزاء ذلك إلى الاعتراف بالأمر الواقع والعمل على معالجته، ولكن زبانية سجن تدمر أصروا على عدم السماح بإخراج أي معتقل من سجن تدمر مهما كانت الأسباب ومهما كانت حالته المرضية وأنه يتحتم معالجة المصابين ضمن السجن حصرًا، ووافق طبيب السجن النصيري الطائفي على هذه الخطة الجهنمية، رغم علمه باستحالة هذه المعالجة ضمن السجن من الناحية الطبية.
وحين يتم مسلسل المتناقضات كان طعام الغداء الذي أحضر لنا عبارة عن برغل مطبوخ إضافة إلى حب الفاصوليا المطبوخ بماء البندورة (الطماطم) والدوسير (حلويات سيئة الصنع) وكانت هذه المواد الغذائية هي مما يزيد مرض الإسهال أكثر لدينا، وقد طلب أحد المرضى من الطبيب تأمين طعام مناسب مع شيء من الحمضيات مثل الليمون، وأنه مستعد لدفع ثمن هذا الطعام من حسابه الخاص ولكن الطبيب لم يلتفت إلى كلامه رغم علمه بأن مثل هذا الطعام ضروري جدًا لهؤلاء المرضى، ولذلك لم يتمكن المرضى من تناول أي طعام، وخاصة المرضى الذين أصيبوا بالتقيؤ، مما زاد حالتهم سوءًا وكان زبانية السجن خلال التفقد اليومي وخلال إدخال الطعام يفتحون الباب بسرعة وهم يحبسون أنفاسهم ثم يقفون بعيدًا وعلى وجوههم إمارات الخوف من المعتقلين في مهجع الكوليرا، وحينما خرج أحدنا لإدخال الطعام واقترب صدفة من الجلاد صرخ الجلاد بفزع وابتعد وهو يسب ويشتم.
امتلأ مهجعنا رقم (13) والذي يدعونه حاليًا (مهجع الكوليرا) عن آخره وبلغ عدد المصابين فيه (40) مصابًا كان عدد منهم في حالة خطرة والإسهال والتقيؤ شديد لديهم، وبعضهم عاجز عن الحركة تمامًا لشدة ضعفه وهزاله وقوة إصابته وهؤلاء فقط كانوا يحتاجون إلى مستشفى كاملة لكي يمكن إسعافهم وتقديم الخدمة والعلاج اللازم لهم خاصة وأن عددًا منهم كان يتقيأ ويتبرز لا شعوريًا ملوثًا ثيابه.
وهكذا فإن المهجع (13) كان عبارة عن مستشفى غريب أو محجز كوليرا من نوع عجيب، قال أحد الأطباء المعتقلين: إنه من الناحية الطبية فإن كل نزلاء سجن تدمر يعتبرون مخالطين حاملين لجرثوم الوباء ويجب أن يحجزوا ويعالجوا وتجري لهم التحليلات حتى تثبت سلامة أجسامهم من جرثومة الوباء.