فهرس الكتاب
كانت الطريقة التي تتبع لعلاج الوباء في سجن تدمر تلغي جميع المبادئ والنظم والأعراف الطبية، وكأن المهجع (13) إنما هو (غرفة النزع) المعروفة في المستشفيات هذا دون الالتفات إلى طرق الموت الأخرى في سجن تدمر وإلا عد السجن كله (سجن الموت) !
أحضر لنا الزبانية فطورًا كان مؤلفًا من مربى وشاي بارد فخصصنا المرضى المدنفين بمعظم الشاي ولكن دون فائدة فما كان يستقر في أجوافهم شيء بل كانت معداتهم تقذف كل طعام يدخل إليها -قيئًا- خلال دقائق.
وكانت الحالة الصحية للمرضى لا تصل مرحلة الخطر حتى يبدأ معهم القيء، فإذا بدأ القيء لدى المريض تدهورت حالته الصحية وضعفت قوته وتلاشت مقاومته، وتنعدم إمكانية استفادته من الطعام أو الشراب عن طريق الفم، لأنه لا يستقر في جوفه شيء فهو يقيء كل بضع دقائق سواء كان في معدته شيء أم لم يكن، فهو يقيء مادة رغوية مائية، ثم يشتد عليه الدوار والدوخة، ويقع إذا ما حاول الوقوف.
لذلك كان يحدث بل يكثر وقوع المصابين خلال ذهابهم إلى المرحاض، مما يؤدي إلى مشاكل أخرى عسيرة، هي تلوث ثيابهم مع عدم وجود ثياب أخرى بديلة خاصة، وأن إمكانية الغسيل والتجفيف معدومة في المهجع، فكنا نضطر أن ننزع شيئًا من ثيابنا ونتركه لهم ونحرص على معاونتهم خلال حركتهم، كما قد يعجل القيء المريض فلا يتمكن من الذهاب إلى المرافق أو أخذ وعاء القيء فيقيء على ثيابه وأغراضه، أو يتبرز دون أن يشعر في ثيابه .. كل ذلك كان محنة جديدة وموتًا وهلاكًا محققًا يحق للمعتقلين في سجن تدمر تحت سمع المسؤولين وبصرهم وهم غير آبهين أو ملتفتين.
في الساعة العاشرة من صباح اليوم جاء الطبيب ينظر إلينا عن بعد وهو كاره قرف بينما الممرض يدور حوله ويقوم بإلقاء بعض الأسئلة وقياس ضغط لبعض المرضى المدنفين، ثم وزع علينا الممرض بعض الحبوب وطلب (سطلًا) من الماء فحلّ بعض المواد فيه، وطلب منا أن نشرب منه بكثرة وأخرج له المدنفون إلى الباحة فأخذ يعلق لهم أكياس السيروم في العراء بواسطة بعض الأوتاد التي كانت في الجدران.
نظم بعض الأخوة المعتقلين من ذوي الخبرة الطبية، مناوبة ليلية للسهر على المرضى من ذوي الحالة الخطيرة والعناية بهم طوال الليل، وفي منتصف ليلة البارحة توفي الأخ المعتقل ناصح شنطيبي وهو من مدينة دمشق، وذلك بعد خمسة أيام من الإسهال والقيء الشديدين.