فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 711

ضربنا الباب حتى حضر الحرس الموجود على السطح، فأبلغناه بالحادثة وبعد قليل جاء رئيس الجلادين المساعد أحمد مع نفر منهم، ولما علموا بالأمر أظهروا الشهامة، وتمنوا الموت لنا جميعًا، بينما كان المساعد أحمد رئيس الزبانية يقف بعيدًا عن باب المهجع وقد لفّ رأسه بـ (لفاحة) وغطى بها فمه وأنفه خوفًا من هواء مهجع الكوليرا، وهو صامت من الخوف، وطلب الزبانية إخراج المتوفى فأخرجناه على بطانية ووضعناه في الباحة ومن ثم حمل إلى مثواه المجهول في حفرة في صحراء تدمر.

في الوقت نفسه كان مريض آخر في مرحلة الخطر وقد غاب عن الوعي، فسارعنا بإبلاغ الزبانية عن حالته ولكن رغم مضي الوقت لم يأت الطبيب فاضطررنا إلى ضرب الباب الحديدي وإبلاغ الحرس بالأمر، وبعد مدة من الزمن جاء الطبيب غاضبًا حانقًا لأننا قطعنا عليه نومه، وأطل علينا من النافذة الصغيرة الموجودة في الباب وصرخ بحدة (إيش بدكن ولك حقراء .. ) فأخبرناه بالمريض المغمى عليه فقال: هاتوه لهون، فحملنا المريض إلى أمام الباب حتى أبصره فخاطبه: إيش فيك ولك؟ للصبح بداويك .. ! ثم أغلق النافذة الصغيرة ومضى .. أحد الأطباء المعتقلين لم يحتمل هذا الموقف المخزي من طبيب مثله، فتفل جهة الباب وقال: أين اليمين التي أقسمتها يا دكتور؟ أن تكون إنسانيًا وأن تسارع إلى إسعاف المرضى، وأين شرف المهنة؟ ..

وتابع الزبانية اليوم جلب المصابين من مختلف مهاجع السجن وتابع الطبيب طريقته في النظر إلينا من بعد، بينما يقوم الممرض بالعلاج القليل القاصر، ولكن عدد المصابين قد زاد كثيرًا ولم يعد المهجع (13) يستوعب هذا العدد الكبير من المرضى، فأفرغ الزبانية قسمًا من المهجع (12) ذي الحجم الكبير ونقلونا إليه، فحملنا المرضى المدنفين على البطانيات ونقلناهم إلى المهجع الجديد.

قام الزبانية البارحة بنقلنا من المهجع (12) إلى المهجع (34) في الباحة الخامسة بعد أن ضاق عن استيعاب من فيه من المصابين بوباء الكوليرا وغيرهم، وخلال الليلة الماضية توفي معتقل آخر لم أعرف اسمه وضربنا الباب فلما جاء الزبانية أخرجناه إليهم وأخذ إلى مثواه المجهول.

كان واضحًا أن الزبانية في سجن تدمر يشعرون بخوف شديد من وباء الكوليرا المستشري في السجن، فما عادوا يقتربون من المعتقلين بأي حال بل وما عادوا يجسرون على دخول المهاجع، بل صار يرعبهم هواؤها وكان هذا بالنسبة لنا أمرًا غريبًا، فبعد أن كنا نخاف مجيء الزبانية ونرهبه ونحسب له ألف حساب، إذا بالأمر ينعكس بقدرة الله سبحانه فكنا نشعر بالأمان من كيد الزبانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت