فهرس الكتاب
الجلادون أن الدم الآن يسيل أمروا ضحيتهم بالإنبطاح. ولا يكون المسكين بحاجة لسماع الأمر لأنه منهار ومُنْتَهٍ بذاته، فيستقبل الأرض لا حول له ولا قوة .. وتلحق به السياط والعصي تأكل الآن ظهره وجنبيه: خمسون .. مائة .. وربما مائتا جلدة قبل أن يتوقف الزبانية.
ويدخل الحفل مرحلته الأخيرة، فيقفز أحدهم فوق ظهر الضحية ويلحقه ثان فيقلبه ويعلو صدره .. ويأخذ كلاهما يعفسانه ويركلانه ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة .. حتى تتكسر الضلوع وتتهتك بقايا الجلد السليم. وتكون الدائرة قد مرت على الدفعة كلها، وسالت دماء الإخوة جميعًا ونال كل واحد منهم نصيبًا من العذاب غير موصوف. ولكم فُقِدَ في حفل الإستقبال ذاك من إخوة وماتوا من غير أن يأبه أحد. ولكم خرج من هذا الجحيم من خرج كسيرًا أو صاحب عاهة من غير أن يزيد ذلك الزبانية إلا سرورًا وغرورًا.
المهجع 26
مضت ثلاث أو أربع ساعات على حفل استقبالنا هذا وسطعت علينا الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سرب طيور منتوفة الريش! ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنا ونمشي. ومشينا .. نازفي الجروح مطأطئي الرؤوس. لكن السياط والكبلات لم ترحمنا. ووجدنا أحدهم يهوي علينا بعصا لا أظنها والله إلا جذع شجرة .. إذا هوت على الظهر فلقته. فإذا أصابت الرأس أو الصدغ فالواحد ميت لا محالة!
وكان معنا أخ من ادلب اسمه نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات رصاص في ساقه وساعِدِهِ ولم يكن يستطيع السير. فتقدمت أنا وأخ من حلب اسمه جمال عيار وحملناه. أنا أمسكه من كتفيه وجمال يرفعه من رجليه. وركضنا وركض الشرطة وراءنا يضاعفون علينا العذاب .. وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الأخ معنا. ولم نكن ندري إلى أين سينتهي هذا الجري بنا.
وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى ونعبر من باب إلى باب حتى وصلنا آخر الأمر إلى الباحة السادسة من السجن، ووجدنا أنفسنا نساق إلى مهجع كبير فيها هو المهجع السادس والعشرون. وهناك وبعد أن اكتمل وصولنا وجدناهم يصفوننا على الجدار من جديد، ومضى الشرطة فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن أن يكون تبقى من جََلَدٍ فيه. حتى إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات دخل المساعد أبو جهل المهجع .. وافتتح كلمة ترحيب جديدة حافلة بأقذع المسبات وألفاظ الكفر بالله .. وزف إلينا وسط عباراته الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر .. تدمر التي ستكون فيها نهايتنا .. نحن الخون العرصات العملاء ال .... .