فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 711

وانتهت الكلمة الترحيبية بنا، وخرج أبو جهل يتبعه الزبانية، ووجدنا الباب يغلق علينا، وصمت كصمت القبور يلفنا. وسرعان ما ألقى كل منا بدنه المنهك على الأرض .. يود لو أن مال الأرض كله بين يديه فيفتدي به ساعة من غير عذاب!

في انتظار المجهول!

أغلق الباب وظننا أننا نلنا اليوم نصيبنا كاملًا من العذاب ولن يكون هناك مزيد. غير أن الأمل تبخر لحظة أن نادى علينا صوت أجش من فوقنا يصيح:

الكل لم عالزاوية ولا.

أفزعتنا المفاجأة .. فلم نكن نتصور أن فوقنا داخل المهجع زبانية من الشرطة العسكرية أيضًا. وعندما رفع أحدنا رأسه يستطلع من أين جاء الصوت ناداه الشرطي وهو يشتمه:

أنت يا .. علّم حالك ولا. ولما أقول وين المعلّم بتطلع لبرة ..

وكالقطيع المرعوب انكمشنا نحن في زاوية من زوايا المهجع حيث أمر، وأطرقنا برؤوسنا نترقب المجهول. وأخذنا نحاول بحواسنا المتوترة أن ندرك معالم هذا المهجع الذي ضمنا من حيث لم نحتسب. ولقد أدركنا لاحقًا أن البناء عبارة عن غرفة كبيرة مستطيلة، ثمة دورة للمياه على يسار الداخل من الباب، فيها حمامان تتوسطهما مغسلة وحوض. وأما بقية المهجع ففي حجم ثلاث غرف متتالية، تحيط زاوية التقاء جدرانها الأربعة بالسقف نوافذ مفتوحة على الدوام، عليها قضبان من الحديد وحسب، غير أنها من العلو بما يكفي لمنع وصولنا إليها أو مشاهدتنا لما يجري في الخارج عبرها. وفي السقف نفسه هناك فتحتان مساحة كل منهما متر بمتر تغطيهما قضبان من الحديد الغليظ أيضًا، يستطيع عناصر الشرطة الذين يتناوبون فوقنا أربعًا وعشرين ساعة في اليوم أن يروا كل ما يدور بيننا من تلك النافذتين، أو الشراقتين كما تسميان باصطلاح السجون.

السخرة

ومضيت أتحسس جراحي وألملم بدني المنهك في سكون .. وانشغل كل منا بحاله فلا تسمع إلا اضطراب الأنفاس وأنات الألم تنطلق بين تارة وأخرى فلا يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح بصمت.

وانقضت ساعتان أو أكثر بقليل، وفتح الباب فجأة ودلفت دفعة جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين أغلبهم شباب في مقتبل العمر من طلاب الثانوية العامة أو الجامعة .. علمنا لاحقًا أنهم كلهم من مدينة حمص، وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا، ولكننا لم نسمع أصواتهم لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت