فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 711

بأصوات تفطر القلوب القاسية، وأصوات الكرابيج والعصي وهي تضرب وتهبد وتعوي في لحن مرعب رهيب لا يهدأ ولا ينقطع، وأصوات الجلادين وهم يصرخون في وحشية زاجرين آمرين منتشين/ هازئين يسبون ويجدفون.

المحاكمات

إن المحاكم الميدانية التي شكلت كردة فعل غاضبة عنيفة على نشاط مجاهدي الإخوان ومحاولة الاغتيال بشكل مباشر تهدف إلى أمور بعيدة الغور، وأن الأشخاص الذين سموا قضاة لتلك المحاكم هم في المحكمتين الأولى والثالثة ضابطان نصيريان من أشد المقربين من حافظ أسد، والغاضبين له والمتعصبين للطائفة، بل وكانا يلتهبان حماسًا للدولة الطائفية النصيرية .. ويحملان كرهًا شديدًا لجماعة السنة عامة والإخوان خاصة، لذلك كان بديهيًا وقد أطلقت أيديهما -تحت اسم القانون- أن يقوما بالتنكيل بالإخوان ومن يواليهم، ولم يكن في هاتين المحكمتين العسكريتين الميدانيتين أي صورة للمحاكم المعروفة، إنما تتمثل المحكمة كلها في شخص الضابط الطائفي النصيري المتحمس ..

ولعل المحكمة الثانية التي مقرها معتقل المزّة العسكري، هي الصورة التي أريد لها أن تبدو طبيعية للناس، فهي قريبة منهم مع أنها فعلًا (صورة فقط) تنفذ ما يمل عليها من أوامر، وتتلو ما يوضع لقضاياها من أحكام.

وعلى ضوء هذه المعطيات الغريبة كانت النتائج (كما هو متوقع) رهيبة لا تكاد تصدق ولا في الخيال وذلك بأن يعدم العشرات والمئات دوريًا وباستمرار رتيب .. ولنبدأ القصة منذ أولها.

باشرت المحاكم الميدانية الثلاث أعمالها في محاكمة المعتقلين بعد عيد الفطر لعام 1399هـ الموافق لشهر آب 1980 ففي مقر المحكمة العسكرية الميدانية الأولى في سجن تدمر، طلبت قوائم طويلة من أسماء المعتقلين في سجن تدمر العسكري -للمحاكمة أمام المحكمة الميدانية الأولى، لدى العقيد غازي كنعان- واستخرج هؤلاء المعتقلين من المهاجع المغلقة، وأخذوا تحت الضرب الشديد إلى باحة المكاتب حيث غرفة المحكمة فأوقفوا في صف طويل ووجوههم إلى الحائط .. ليؤخذوا بعد ذلك واحدًا واحدًا إلى غرفة المحكمة فيسألهم العقيد بضعة أسئلة عن الاسم والعمر وعن بعض نواح من التحقيق، ولم يكن هناك مجال للمعتقل للكلام والإبانة فإن إجابته يجب أن تكون (نعم) دائمًا، وإلا تعرض لما هو أشد من الموت من العذاب .. ويصرفه القاضي بكلمة سباب .. أو تهديد .. ولا يعلم المعتقل المسكين مدى صدق هذا التهديد .. وجديته .. حتى يجد نفسه، مساقًا إلى الإعدام، في الزاوية الجنوبية الغربية من سجن تدمر العسكري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت