فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 711

شاب مهندس قصير القامة، نحيف الجسم، وأخذ يضربه بالعصا حتى أنهكه، وقد تبيّن لنا أن رجله قد كسرت خلال ذلك، فحملناه حملًا وسرنا به مسرعين وهم يلاحقوننا بالضرب والسباب.

وهكذا أدخل قسم منا المهجع رقم (27) وقسم آخر المهجع رقم (28) وكنت من القسم الأول.

ولدى دخولنا المهجع وجدنا نزلاءه يقفون في صف خماسي وسط المهجع بانتظار التفقد الذي أزف وقته والذي يتم في الساعة الثانية بعد الظهر.

وجرى (فيلم) آخر من العذاب والقسوة والقهر.

فقد كان يجلس أمام الصف ومقابل باب المهجع عدد من المعتقلين الذين لا يمكنهم الخروج للتفقد الذي يتم في الباحة أمام الباب، والذي نخرج إليه راكضين وندخل راكضين معرضين للضرب والعذاب، مضطرين للتدافع والتزاحم.

كانوا من المرضى المدنفين والمكسرين والعاجزين عن السير لعاهة جسدية، فأغاظ جلوسهم هذا الجلادين، فجاءوهم إلى الصف واحدًا واحدًا حتى أعادوهم جميعًا إلا ثلاثة تركوهم بعد أن عذبوهم، اثنان لم يقدرا على الحركة، وواحد كان مقطوع الرجل من الفخذ

الفرز الثاني في 17/ 7/1981

وفي اليوم العاشر من شهر رمضان (1401هـ - 1981م) جاء الفرز الثاني وكأنه بداية انفراج أو تهيئة لإطلاق سراح بعض المعتقلين، فقد طلب عدد كبير من المعتقلين وكنا نعرف أنهم أبرياء، فلما طلب إليهم إنهاء علاقتهم بمن في المهجع، أملنا الإفراج عنهم قريبًا، فودعناهم على هذا الأساس، علمنا بعد ذلك أن جهاز السجن جمع حوالي (150) معتقلًا من المحكومين بالبراءة فوضعوهم بالمهجع رقم (8) توطئة لإطلاق سراحهم، وعلمنا أنهم يعاملون معاملة حسنة نوعًا ما.

وكان المتوقع إطلاق سراح هؤلاء على العيد بعد بضعة عشر يومًا، وقد بدا من جهاز السجن كثير من التجاوز في معاملة المعتقلين، فالكرباج اختفى من أيدي الشرطة والضرب في التفقد والحمام أصبح نادرًا، وكان التنفس النادر (غريبًا) فقد وقف الشرطة جانبًا وتركونا نسير في صف ثنائي على أطراف الباحة بل تجرأ بعضنا ورفع رأسه وشاهدت لأول مرة مئذنة المسجد القريب في مدينة تدمر، كانت ترتفع شامخة في الفضاء تناطح زرقة السماء في استعلاء وإباء وقوة، فملأت قلبي مشاعر الحنين إلى المساجد وإلى الحياة الكريمة، فترحمت على العدالة وعلى القوانين والدساتير والأعراف، كيف ماتت ودثرت في سوريا الغالية وبقيت صورة لا حقيقة، وكيف غابت في تدمر غيابًا تامًا.

ومع ذلك عادت المعاملة السيئة وظهر الكرباج من جديد، قبل العيد وعاد الضرب والتعذيب كما كان، فالمعاملة هنا طبيعتها السوء والعذاب والتضييق فلن تغادر طبيعتها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت