فهرس الكتاب
متدافعين على أرض المهجع التي ضاقت على من فيها أشد الضيق، حتى كنا نعاني من مزعجات هذه النومة أكثر مما نرتاح، وكان لهذه النومة سلبيات وأخطار أخرى منها عدم إمكانية استعمال المنافع والمراحيض إلا بشكل محدد خلال مدة الـ (12) ساعة هذه، فالنظام المفروض يمنع أن لا يتواجد في المنافع أكثر من شخص واحد لا غير خلال فترة النوم هذه.
ولم يكن إلا للتضييق على المعتقلين والإعنات عليهم، وقيل أن هذا الإجراء له أصل في نظام السجن سابقًا، حينما كان يستعمل كسجن للعسكريين الناشزين على أنظمة الجيش والمرتكبين لمختلف المخالفات والجرائم، وأنه كان يقصد به منع اللواطة بين أولئك المساجين حيث البيئة الفاسدة.
ولكن على فرض ذلك فأي مبرر لهذا الإجراء في بيئة المعتقلين هذه التي تسيطر عليها الأخلاق الفاضلة ويعمرها الصلاح والعفاف والتقى، ومن أخطار هذه النومة الإجبارية تيسير سبل العدوى بالأمراض المختلفة وخاصة مرض الجرب العين، حيث تكون الأجساد متلاصقة متدافعة فينتقل مرض الجرب من شخص إلى آخر حتمًا.
ومن مشاكل الكثافة أيضًا أنه أصبح من العسير علينا أن نغسل ثيابنا وأيدينا ووجوهنا أو أدوات الطعام مثل الملعقة والكوب والصحن، وكان أصعب شيء قضاء الحاجة، وخاصة مع وجود حالات الإسهال الشديدة المتكاثرة، إضافة إلى أن أحد المرحاضين ضيق الفتحة كثير الانسداد والتعطل، مما أوجب علينا ضبط نظام دقيق لكافة استعمالات المنافع ودور منظم ولا يتجاوز هذا النظام إلا في حالات الضرورة القصوى.
مشكلة محرجة
كان للأخ أبو جميل مشكلة محرجة، كنت من القلائل الذين يعلمون خفاياها، كان مصابًا بفتاق كبير في أسفل البطن، وقد صنعت له حزامًا خاصًا في فترة سابقة، كان يؤلمه كثيرًا وكان أشد ما يؤلمه حين يكون بحاجة إلى (قضاء الحاجة) فلا يستطيع الانتظار، وقد يكون اصطف قبل على دور المراحيض عدد كبير.
لذا سمح له بتجاوز الدور ودخول المراحيض حين الحاجة، فكان يجاوب من يعترضه وهو يتجاوز الدور أن يسأله عن السبب فيقول: (معي فرمان مراحيض) فكان لا يفوت النكتة رغم ما فيها من ملابسات.
ومن مشاكل الكثافة أن الطعام لم يزد عندما زاد عدد المعتقلين (حسب الحاجة) فوقع النقص في الطعام حتى أن الفطور والعشاء كانا من القلة، بحيث غدوا رمزيين فقط.