فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 711

ولم يصدق أحد أن زبانية سجن تدمر يمكن أن يكونوا رحماء منصفين، فلا بد أن وراء ذلك غايات أخرى.

وجاء الرقيب"علي دوبا" (يثبت مواقف) ، ويظهر الحرص على نقود المعتقلين، فطلب منا أن لا ندفع نقودًا لأحد إلا أن نراه، ونعرف من هو، ولأي شيء ندفع النقود .. وقال: إذا أخذ منكم أي واحد مصاري بدون ما تعرفوا ليش، وتتأكدوا منو، بلغوني .. ثم أمر رئيس المهجع أن يفتح عينيه وينظر من يأخذ منه النقود، وأن يفتح عينيه حتى خلال التفقد والحلاقة وغيرهما ..

وأثارت هذه الأمور فينا كثيرًا من الذكريات والآلام، وتساءلنا: أتعود إلينا قيمتنا كبشر، ولو في المعاملة؟

كان هذا الأمر مستحيلًا في تدمر ..

وتوقعنا افراجات قريبة وربطها بعضهم بالمناسبة، وكانت أقرب مناسبة هي عيد الأضحى.

الزيارات

في 23 من آب 1981 بدأت تأتي لعدد من المعتقلين زيارات ولكن بعدد قليل ومحدود، فقد جاء لحوالي سبعة معتقلين من مهجعنا زيارات، وجاء أهلوهم ومعهم المآكل والثياب والنقود، ولكن الزيارة كانت غريبة في صورتها، كان المعتقل يؤمر بأن يلبس أحسن ثيابه، ثم يؤخذ ويوصى بعدم الكلام عن أي شيء من أمور السجن أو المعتقلين فإذا وصلوا به إلى الغرفة التي تتم فيها الزيارة، أمروه بأن يرفع رأسه ويفتح عينيه ويدخل وكأنه إنسان طبيعي، محفوظ الكرامة ..

فإذا جاء يسلم على أهله وقفوا معهم لا يتركون همسة تبدر من أحدهم إلا وعوها، ويمنعون كل كلام غير السلامات والسؤال عن الصحة والأهل والأولاد.

وخلال دقائق تنتهي الزيارة التي قد تكون من بعد سجن طويل، سنة أو سنتين ذليلًا مطرقًا والجلادون لا ينسون أن ينالوه خلال الطريق بالضرب والإهانة بعد أن يكون الرقيب قد نبش الأغراض وسمح، ومنع.

وكان الزبانية يمنعون الخضار، ويقولون للأهل: عندهم كثير .. ولو عرف الأهل القضية لما أحضروا الخضار! ومع ذلك فإن الرقيب والزبانية لا يتركون هذه الأشياء دون تلويثها أو تشويهها، وقد انقض الرقيب أمام بصرنا على بطيخة ضخمة (جبسة) يحملها المعتقل، فرماها منه أرضًا ورفسها حتى تناثرت قطعًا ..

وقد توقفت الزيارات بعد فترة الهدوء فما عادت أبدًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت