فهرس الكتاب
عيد الأضحى المبارك
يوم 28 من آب 1981 يوم كسائر الأيام، الباب مغلق، الطعام والمحنة قاسية والأمر لله. ونحن جامدون في جلستنا اليومية ندعو الله ونسأله، ونستغيث به، كنت أحتفظ بتفاحة صغيرة هي حصة أيام وفرتها بالجهد للعيد، فقمت أقسمها وأوزعها فحظيت بالرضى والإعجاب، حتى تساءل بعضهم من أين لك هذا؟ .. قلت رزق ساقه الله، وأكل منه بضعة عشر إنسانًا، عايدنا بعضنا وتمنينا العيد القادم في عرفات إن شاء الله والإسلام قد انتصر والكفر قد انخذل، وقد فرّج الله عن سجناء تدمر، وقال بعضهم: (العيد القادم وهؤلاء الجلادين بيكونوا هم السجناء إن شاء الله) .
في اليوم الثالث للعيد (2 أيلول 1981) ظهر الكرباج الرهيب في الباحة من جديد، وهجم الجلادون بشراسة وحقد يضربوننا وبعذبوننا، وضربوا رئيس المهجع وأمروه بإغماض عينيه في اليوم التالي وخلال التفقد أيضًا هجم نفر من الجلادين علينا يضربوننا خلال الدخول إلى المهجع بعد انتهاء التفقد، واشتدت شراسة الجلادين في ضربنا.
وهجم علي جلاد بحجر كان يحمله بيده، فأخذ يضربني به على رأسي والدم بتفجّر بين يديه وهو يصرخ هازئًا: احمر يا جبس .. !
وأمام مشاهد المتألمين والصارخين والمصابين صرخ أحد الجلادين: (الله أكبر والنصر للشرطة العسكرية) كان الجلادون يضربوننا بعنف ودموية وقسوة مرعبة، ولم ندر لهذه الأفاعيل سببًا وتأوّل بعضهم أن مدير السجن قد حلم ورأى منامًا سيئًا.
ولكن آخرين أكدوا أنه لابد أن أمورًا تحدث في الخارج .. وذهبت آمال الإفراج مع الرياح.
التنفس
في 3 أيلول 1981 توقف التنفس أو كاد، فلا يوجد لدينا تنفس هذه الأيام، ونادرًا ما يفطن جهاز السجن إلى إجراء تنفس للسجناء في يوم الجمعة، حيث تأتي دورية مؤلفة من رقيب وعدد من العساكر وتخرج نزلاء المهاجع مهجعًا وراء الآخر بالتسلسل فيخرجون نزلاء المهجع مع أغراضهم حيث يضعونها في الباحة أو يمدونها ويجلسون عليها متقاربين، ويستمر هذا التنفس من 15 - 20 دقيقة، وخلال ذلك يتصرف الرقيب والعساكر كما يحلو لهم، فيضربون المعتقلين ويعذبونهم بدون أي ضابط، ويبدو أن أكثر من دورية تقوم بعملية إخراج المعتقلين للتنفس في السجن.
وكانت هذه هي الفرصة الوحيدة التي نخرج فيها للهواء الطلق والشمس، ولكن الرعب من العذاب الذي ينتظرنا كان يهيمن عليها، ويقلب مفعولها، فتصبح بدل التنفس (قطع النفس) كما سماها المعتقلون.