فهرس الكتاب
ذلك وأجاده حفظًا وتفسيرًا، وكان المهندس الزراعي (م. ح) قد ألهمه الله مما عرف من علوم زراعية ومعلومات علمية، ومما حفظه وفهمه من القرآن الكريم إلى اكتشاف روابط وموافقات رائعة يربط فيها بين آيات القرآن الكريم والعلوم والمعارف الإنسانية المختلفة، فكانت روائع من التفكير والتدبر.
وكانت تحصل لدينا إشكالات في بعض الكلمات القرآنية، أو الحروف أو التشكيلات نتيجة عدم وجود أي نسخة للقرآن، نرجع إليها في جميع مهاجع السجن، فكنا نرجع إلى جهابذة اللغة فيجتهدون أن يعطوا القول الصواب.
كان القرآن ممنوعًا منعًا باتًا في جميع مهاجع سجن تدمر، بل كل شيء من ورق وأقلام وكتب، ممنوع أيضًا، ويا ويل من يضبط لديه ورقة من القرى القرآن، فرؤية القرآن والقراءة فيه إحدى الأماني الكبيرة التي نراها في الأحلام، فنفرح وتنشرح قلوبنا بالحلم ويقول القائل متحسرًا: هل نرى القرآن يومًا ونقرأ فيه ونرتل الآيات مطمئنين؟ ..
كنت أتحرج من كثرة الحفظ، بل قد توقفت تقريبًا عنه، كنت خائفًا من أمر واحد هو النسيان .. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:"أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة آية من كتاب الله أوتيها ثم نسيها".. فحدثت بخوفي هذا الأخ الكريم الشيخ (ح. ي) وهو من أرباب الفقه ورجاله، فقال لي: ألم تسمع ما قال الحفاظ؟ قلت: وما قالوا يا أبا محمد؟
قال: قالوا (من يقرأ الخمسة لا ينسى) يعني من يقرأ خمسة أجزاء في اليوم لا ينسى .. وعجبت للفكرة الجميلة ولكنها إذن مهمة جليلة، فكلف نفسك ما تطيق لذلك كان يرمي أن يكون هناك توازن وعدم طغيان أمر على أمر، وهكذا كنت أحفظ ولكن ببطء شديد مدققًا فيما أحفظه ومتقنًا حفظه ما استطعت ..
وبذلك كنت أنصح بعدم الاقتصار على حفظ القرآن، بل الأخذ بنواح أخرى هامة مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والفقه والسيرة .. وغيرها ..
وعزم بعض الأخوة على حفظ حديث النبي ولم يكن في مهجعنا الكثير منه، وكنا نتداول هذا القليل دون ترتيب أو حصر وكنت أحفظ عددًا لا بأس به من الأحاديث النبوية الموجودة في كتاب الأربعين النووية، فكنت أرددها مع بعض الأخوة. جاء أحد الأخوة فطلب أن أعدد له الأحاديث وهو يثبتها .. حتى وصل بنا العدد إلى ثلاثة وعشرين حديثًا من أحاديث الأربعين النووية، وبهر كثيرون بما عند الأخ من عدد جيد، وجاء بعضهم إلي فنصحني أن أستعين بالأخ فلان لأن عنده عددًا كبيرًا من أحاديث الأربعين النووية لعلنا نستكملها، ولكن تبين إنما هي الأحاديث التي أثبتناها سابقًا ومع ذلك وبالتعاون مع عدد من الإخوة، وصل معنا الرقم إلى ثمانية وثلاثين حديثًا ونشط