فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 711

ولم يكن قد مضى على وجودنا في المهجع وقت يكفي لنلتقط فيه الأنفاس فكيف لنا أن نفكر بالسخرة وبالطعام! فلما وجد الرقيب الحالة لم تنضبط والأمر لم ينفذ سحب الأخ وضاح إلى الخارج وانهال عليه صفعًا وركلًا، فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد:

من كان منكم عسكري يا ؟

في تلك المرة خرج الأخ جمال عيار وأجاب. وكان جمال أو أبو الفضل كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية بحلب يخدم الجندية الإلزامية حين اعتقل. وكان رحمه الله ممتلىء الجسم قصير القامة، فناداه الشرطي سائلًا:

أنت عسكري ولا؟

قال بثبات واحتراف: نعم سيدي.

قال له: أدخل الفطور الآن.

ودخل علينا جمال بطشت بلاستيكي فيه بعض قطع الجبن وأرغفة الخبز العسكري الجافة ذاتها. تبعها بسطل من الشاي يبعث منظرة على القرف. ولم يكن لأحد لا قدرة وقتها ولا شهية لتناول شيء، لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح:

الكل واقفًا ولا.

فانتفضنا وقوفًا كلنا.

وجهك عالحيط ولا.

استدرنا من غير أن ننسى هذه المرة أن نغمض أعيننا ونخفض رؤوسنا نحو الأرض.

رئيس المهجع. شيل قطعة الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد.

فأخذ أبو الفضل يطوف علينا ويدس في فم كل منا قضمة جبن. فلما انتهى ناداه الشرطي من جديد:

املأ قصعة الشاي وشرّب هال ... بالتناوب.

ونفذ جمال ما أمر الشرطي به. وجلسنا من ثم في أماكننا صامتين واجمين. وقتذاك كانت الشمس قد سطعت وتسللت أشعتها الدافئة من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والإرتياح لبرهة. غير أن الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمال ونادى باللازمة. ودخل هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى:

رئيس المهجع. ضب كل المساجين لجوه.

فاجتمعنا كلنا في زاوية داخل المهجع، فيما دخل عدد من عناصر"البلدية"وفق مصطلح السجن الذي تعلمناه لاحقًا، وهم المساجين غير السياسيين من العساكر الذين يقضون عقوباتهم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت