فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 711

السجن. وأدخل أولئك كومًا من البطانيات المنتنة فكدسوها على مقربة من أقدام المساعد والشرطة العسكرية وخرجوا. فنادى أبو جهل من جديد:

الكل في صف واحد ولا.

فانتظمنا في صف واحد أخذ يمر أمامه وقد أغمضنا أعيننا كلنا وخفضنا هاماتنا. فجعل الشرطة يسلمون كلًا منا بطانيتين وكل اثنين منا عازلًا مشتركًا. والعازل عبارة عن خيمة بالية من خيام الجيش مغطاة بالبطانيات العتيقة. فلما تم الإستلام وفوق البَيْعَة ما لا يعد من اللعنات والشتائم قال أبو جهل يخاطب رئيس المهجع وبقية السامعين:

هذه البطانيات والعوازل عهدة .. وكل واحد مسؤول عن عهدته ولا.

وتلقينا العهدة والتعليمات والشتائم ونحن لا نزال مغمضي العيون خاشعي الحركة. وسمعنا المساعد وأزلامه ينسحبون ويغلقون الباب علينا .. فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها أجسادنا المنهكة .. لا ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية.

التفقد

وبلغت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر. ووجدنا الباب يفتح من جديد. وانتفض الأخ جمال فقدم الصف. ودخل الرقيب وصاح فيه:

صفهم خمسة خمسة للتفقد.

ولم يكن علينا إلا التنفيذ. لكن الفزع الذي غمرنا جميعًا جعلنا نتدافع مضطربين كل منا يتحاشى أن يأتي إلى طرف الشرطي، فلما طال الأمر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينا وأوسعونا ضربًا وجلدًا، وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على الإنتظام في الصف قدر الإمكان. وتم الأمر أخيرًا، وعَدُّونا فكان العدد فوق المائة. وصار واضحًا لدينا الآن أن هناك جزءًا أساسيًا في البرنامج اليومي يسمى التفقد، الجلد والضرب والشتائم لوازم ضرورية لا بد وأن تلازمه .. مثلما هي لوازم لا تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن يسفكوا دماءنا!

وخرج الشرطة .. وعدنا كل إلى ذاته مطرق الرأس مشتت الفؤاد. لا يكاد واحدنا يسمع أدنى حركة حول المهجع أو فوقه حتى ينتفض كالمحموم! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر ما حل بالأخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير!

وهكذا مضى اليوم .. ومرت أيام أخر، لا يجرؤ أحدنا أن يكلم جاره الذي ينام معه على عازل واحد، أو يهمس حرفًا لأقرب الناس إليه. والبرنامج اليومي يتكرر كاللازمة: نستيقظ في السادسة، فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت