فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 711

فننتفض جميعًا ونقف في حالة الإستعداد. وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطور مجازًا. فنزدردها بلا شهية، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها أحد. وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من الطعام من قلة الشهية شيئًا. ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في الحمام لأن أحدًا لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه!

فإذا انتهى الفطور من غير مشاكل حان وقت التفقد. فنستعد ونأخذ حسبنا الله لساعة تعذيب لازم. وينال كل منا نصيبه المقدور .. ونعود إلى جلستنا مترقبين حذرين. ولا يلبث الشرطة أن ينادوا علينا للتنفس هذه المرة. فنخرج إلى الساحة مطرقي الرؤوس مغمضي العيون .. يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه كالأعمى .. لتتلقانا الكبلات والعصي فتقودنا بالإكراه إلى حيث يشاؤون. وترانا كقطيع مسعور نجري حول الساحة والكرابيج والكبلات والضربات تلاحقنا أنى اتجهنا. فإذا زلَّ أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فوقه المتساقطون .. فتزداد فرصة الشرطة لزيادة الضرب ومضاعفة العذاب. ويعلو الصياح وأصوات الإستغاثة، فتعلو عليها عبارات الكفر والشتائم البذيئة.

فإذا انتهى وقت التنفس وقادتنا الكَبْلات صوب المهجع من جديد، تكون على الباب ملحمة أخرى دامية. فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا منها. عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم، والسياط والهراوات تلاحقهم من كل حدب وصوب. فتنحشر الأكتاف والرؤوس، ويسقط من يسقط تحت الأقدام، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية. فلا تنتهي حفلة التنفس تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم، وأصيب أضعاف من نجا.

طعام ومنام!

وهكذا كنا نعود إلى المهجع لنلعق جراحنا بصمت، ونتأوه تخنقنا الحسرات والعبرات .. ويحين موعد الغداء بعد حين .. ولا يلبث أن يأتي من ثم العشاء. ونحصي إذا قدرنا نصيبنا الذي نلناه على مدار اليوم من الطعام فلا نراه يكفي لأن يسد رمق طفل صغير: صمونتان صغيرتان جافتان للوجبات الثلاث. ورشفة شاي على الفطور مع بضع حبات زيتون أو لحسة مربى أو حلاوة لا تملؤ ملعقة واحدة. ومرق أحمر للغداء لا يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه. وبعض حبات الحمص المسلوق أو أجزاء من البطاطس المسلوقة للعشاء .. وحسب! ولربما استُبْدِلَ البيض بالبطاطس مرات، أو شوربة العدس بالحمص المسلوق. لكن قلة الكمية وسوء النوعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت