فهرس الكتاب
كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا إلى الشبع! فنصيبنا من البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحدة لستة أشخاص. ومن الأرز ملعقة صغيرة واحدة للشخص. ومن اللحم أقل من رأس العصفور في المناسبات. وإذا أحضروا دجاجًا كان نصيب المهجع كله خمس أو ست دجاجات مقابل أكثر من مائة فم! حتى أننا بتنا نعتبر الطعام نوعًا إضافيًا من العذاب ليس إلا! وصار اعتياديًا بيننا أن نأكل قشر البرتقال وقشر البيض والبطيخ ولا نرمي من الفضلات في القمامة شيئًا. ولكن النهار لا بد وأن ينتهي، ويحل موعد النوم في السادسة، لكنه النوم الذي يحرم على صاحبه أن يتنعم بالنوم فيه! فالضوء داخل المهجع لا يطفؤ ليل نهار، والشرطة على السطح يراقبوننا باستمرار. ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركة من بيننا علّموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح ما لا يسر!
ولقد كانت الصلاة وسط هذا الظرف نوعًا من التهلكة بالطبع، ولكم أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه ضربًا يسألونه عمن يصلي عنده من المساجين ليدلهم عليه. ولذلك كنا نصلي إيماء من أول يوم. كل بسرّه وحده من غير ركوع أو سجود. لكن النعمة التي وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام. فلم يكن من رحمة الله للحمام شراقة تكشفه، ولذلك كنا نتوضأ آمنين، وننسحب إلى بطانياتنا فنستلقي تحتها ونصلي موميين بسكون وهدوء.
إلى الحلاق!
وانقضى قرابة أسبوع على هذه الحال .. وبدأنا نألف الوضع الجديد ونتأقلم معه. وأخذنا نجرؤ على النظر إلى بعضنا البعض والهمس فيما بيننا ولو بكليمات. وقام الأخ جمال رئيس المهجع فقسمنا إلى مجموعات صغيرة للسخرة، فساعدنا ذلك على الخروج من حالة الوجوم تلك، وبدأنا نتعرف على الأفراد المحيطين بنا من غير أن نجانب أقصى أسباب الحذر. لكننا وبعد أن ظننا أن البرنامج استقر على هذه الحال فوجئنا بهم ينادوننا للخروج من المهجع مرة واحدة في غير موعد التنفس. ووجدناهم يسوقوننا مغمضي العيون إلى زاوية من زوايا الباحة تلاحقنا الجلدات والسياط كالعادة. وهناك صفونا على الجدار وجعلوا يخرجوننا خمسة وراء خمسة في صف واحد، لنجد في انتظارنا ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يسمون"البلدية"بلغة السجن يقومون بدور الحلاقين. وغالبًا ما يتم اختيار أولئك من أبناء طائفة النظام الذين يقضون عقوبة ما في سجن تدمر، فلا يقلون حقدًا ومكرًا عن بقية السجانين من الشرطة العسكرية. وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلاقين يأتيه الإيعاز بلهجة الأمر:
وراء دُرْ.