فهرس الكتاب
فيستدير.
ارفع راسك.
فيرفعه من غير أن يفتح عينيه. ويمر الحلاق بالفرشاة والصابون على الذقن فيطريها. ويرسله إلى الحلاق الآخر فيفعل ما فعل الأول. وينتهزها"البلدية"فرصة لينفثوا فينا أحقادهم الطائفية. فشتيمة من هنا، ودس للفرشاة في الفم أو الأنف من هناك، ولطمة أو صفعة هنالك .. وأما المسبات فكلها بالمجان وعلى الحساب! وعندما نصل للحلاق الثالث على الشاكلة نفسها، يمر بالموس على الذقن فيحلقها، والشرطة من ورائنا يصيحون فيه:
اذبحه هذا الكلب .. أو اسلخه هالعرص.
فيلبي الحلاق الطلب بكل امتنان، فيضيف على الوجه جرحًا أو أكثر. ولا يبخل بمزيد من الصفعات والمضايقات. فإذا انتهى انتقل الصف إلى حلاقة الشعر، فيجثو السجين على ركبتيه، يداه وراء ظهره وعيناه مغمضتان. وأؤكد هنا أنني طوال السنوات التي أمضيتها في تدمر لم أشاهد وجه الشخص الذي كان يحلق لي قط إلا خلسة .. وكنت دائمًا مثل الآخرين مغمض العينين مطبق الجفنين! وعندما تنتهي حلاقة الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية بالطبع ربما انتزعت الشعر بدل أن تحلقه، أو أصابت الوجنات فأدمتها لتبهج الحلاق .. عندما تنتهي يأتي الإيعاز من الشرطة خلفنا:
منبطحًا.
فننبطح .. ويتقدم واحد منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه"نعيمًا"الحلاقة! فيبدأوا بالقفز فوق ظهورنا، أو يوسعونها جلدًا وركلًا، ولا ينسوا نصيبنا وافرًا من الشتائم والمسبات. فإذا انتهوا وقت أن يحلو لهم الإنتهاء، عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عن جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر أن ينتهي المهجع كله من الحلاقة.
ولقد كانت مفاجأة لنا أول مرة حينما عدنا بعد هذه المعمعة إلى المهجع وأقفلوا علينا الباب، فوجدنا أنفسنا بالقرعة تلتمع رؤوسنا كثمر البطيخ .. فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم الألم. ثم وجدنا أنفسنا بعد ذلك لا نألف إلا هذا الشكل فينا، ولا نعرف إلا هذا النوع من الوجوه!
حمام الدم!
وانتهت الحلاقة، لكن البرنامج لم ينته. ولم يلبث مناديهم أن نادى فينا:
الكل برة بالشورت ولا.
فظننا أنها حفلة تعذيب جديدة. وبدأنا نراجع أنفسنا علنا ندرك ما حدث. ووجدتنا نساق مغمضي الأعين عاريي الصدور مكشوفي الظهور حفاة نتبع واحدًا من الشرطة كالنعاج لا صول لنا