فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 711

ولا قوة. تتناوشنا السياط من كل اتجاه، وتهوي علينا الصفعات والركلات في كل خطوة. وعندما صادفنا"البلدية"الذين كانوا يوزعون الطعام على إحدى الباحات في طريقنا وجدناهم يهجمون علينا فكأننا الطريدة العاجزة أمام كلاب الصيد! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع ساعة إلى الباحة الأولى ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت.

وعندما يذكر الحمام عادة يتبادر إلى الذهن الماء الدافىء أول ما يتبادر .. والصابون والطيب والإسترخاء .. لكن الأمر لم يطل بنا لنعرف الحقيقة. ووجدناهم يقسموننا قسمين: أبقوا الأول في الباحة وأمروهم أن يجلسوا جاثيًا، رأسهم إلى الأرض وظهرهم العاري مكشوف للشرطة، وساقوني مع القسم الثاني إلى الحمام.

ودلفنا أكثر من خمسين شخصًا على عدد من المقصورات لايتجاوز عدد أصابع اليدين، وجاءنا الإيعاز بالدخول تحت الدشات، فكنا ستة أو سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد! وانصب علينا الماء البارد مرة واحدة، لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننا الذين في الخارج أنستنا وكأنها طلقات الرصاص أحاسيس التجمد، وأبدلت قشعريرة البرد التي سرت فينا رجفة الخوف من المصير المرتقب! وجعل بعض أفراد الشرطة يدخلون وراءنا فينعمون علينا بلسعات الكرابيج مقدمًا. وأمرنا بعضهم أن نخلع سراويلنا ونكشف عوراتنا زيادة لنا في الإهانة والعذاب .. ولم نجد بدًا إلا أن ننفذ .. والزبانية بين ضاحك وساخر وشاتم.

وانتهى الأمر خلال خمس دقائق .. وخرجنا تتقاطر منا المياه لتتلقانا السياط التي سبق ونالت من ظهور الإخوة قبلنا. وزادنا ألمًا وعذابًا أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة فتعثر فيها من تعثر وارتطم بحوافها القاسية من كان له نصيب لم ينته من البلاء .. فلما انتهت الدفعة الثانية خلنا أن دهرًا بأكمله انقضى .. ومضينا تدفعنا السياط والصفعات إلى المهجع مغمضي العينين كما أتينا. وتدافعنا على الباب ككل مرة، فتعثر من تعثر .. وشج من شج .. وارتض من ارتض. وكان الحمام حقيقة الأمر حمام دم بكل معنى الكلمة.

وارتمينا بعدما أغلق الباب علينا كالقتلى على الأرض. ما منا إلا من يئن أو يتأوه .. وليس فينا إلا جريح أو معنّى. لكن المأساة لم تكن انتهت بعد .. والمهزلة كانت تنتظر فصلها المضحك للختام. فما هي إلا دقائق حتى فُتِحَ الباب، ودخل الشرطة فأبلغوا رئيس المهجع أن علينا أن ندفع أجرة الحلاقة والحمام .. فورًا وفي الحال!

وأتى الأخ ينتظر منا الجواب .. وليس لدينا من جواب إلا التسليم في كل مرة .. وتقدم من سَلِمَتْ نقوده في الأمانات فدفع .. واندفعنا بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسل ما كسى أجسادنا من دم وشعر وتراب، فما كدنا ننتهي حتى كان اليوم قد انتهى .. وانتهت فينا كل ذرة من طاقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت