فهرس الكتاب
وجَلَد .. فارتمينا على بطانياتنا الرثة نلتمس ساعة نوم هادئ قبل أن تدهمنا مفاجأة جديدة .. أو تحل علينا من القوم نازلة لم تكن في الحسبان!
ولقد استمر نظام الحمام البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عام 1984 حيث صدرت الأوامر وقتها بأن يتم الإستحمام في حمام المهجع نفسه. وأما الحلاقة فاستمرت حتى عام 1986 حيث انتشر مرض اليرقان - كما سيأتي بأذن الله - فكان ذلك البلاء سببًا في رفع هذا البلاء!
من رحمات الله
ومرت أيام أخر .. نزداد اقترابًا من بعضنا وائتلافًا بمقدار ما يزداد الهم وتتنامى المعاناة. ومع تقادم الخبرة بدأنا ندرك كيف تمضي الأمور حولنا .. وتعلمنا أن الشرطة يتعاقبون على حراسة سطح المهجع. فصرنا ننتهز فرصة انشغالهم بالإستلام والتسليم لنتحدث بحرية أكثر أو نتحرك من غير خوف. ومع اعتياد المكان والحال بدأنا ومن نعمة الله علينا نسمع صوت الأذان الآتي من مدينة تدمر المجاورة. فلم يكن من أنيس لنا مثله أبدًا. وكأنما أحس الزبانية بأثر هذه النعمة علينا، فكان بعضهم إذا ارتفع الأذان علانا وأطل علينا من الشراقة وجعل يتبع كل تكبيرة بكلمة الكفر .. وكل تهليلة بمسبة فاحشة واستهزاء بالله تعالى. وكنا علاوة على الأذان تبلغنا حتى أصوات السيارات العابرة على الطريق في بعض الأحيان .. فنغتم من ذلك ونتحسر .. لا نتخيل كيف تسير الحياة طبيعية على بعد خطوات منا ونحن في هذا الجحيم لا يدري منهم بحالنا أحد!
ولقد كان من رحمات الله بنا أن أحضروا لنا في بدايات الأسبوع الثاني ممرضًا مجندًا طاف على المهاجع وسجل احتياجاتنا الضرورية من العلاجات. ووجدناه يحضر لنا بالفعل بعض ما طلبنا .. وكان أكثر ماكنا نريد مراهم الجروح والإلتهابات .. فمن بين هذا الجمع من البؤساء كان ثمة من هو في أمس الحاجة لها قبل أن يصل هذا المكان .. مثلما كانت الحاجة إلى العلاجات متجددة على الدوام لدوام الضرب الوحشي والتعذيب والتشنيع.
جروح وقروح
ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سوءًا في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما ذكرت. وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في يده. وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصابًا بالرصاص أيضًا في رجله. وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك. وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء! وكان أمرًا