فهرس الكتاب
عجيبًا أن ظلا على قيد الحياة فعلًا. فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك. وتقطعت كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك. ونمت العظام من جديد والتأمت بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي. ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران على السير مطلقًا. وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة. ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من الرقيب. فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملًا. وظل المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984.
كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت. وكان رحمه الله دائم الإستلقاء منعدم الراحة. ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي .. حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982.
وأما بقية الإخوة، ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف، وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور. وزاد علينا القمل الذي حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر، فانتشر في المهجع وتفشى بين الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلاء!
كعبة الزبانية!
وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يومًا بعد يوم. وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام. وجعل الإخوة الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين. وكان معنا عدد من المعتقلين ممن جاوزوا الستين والخامسة والستين، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير وكلاهما من ادلب، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة. كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من أريحا. وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان! فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر الإمكان، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام. فينال الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه.
وكان الأخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت، فكان ذلك سببًا في ضبط المهجع وتقليل المشاكل مع الشرطة من جهة، وعاملًا في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى. حتى بتنا