فهرس الكتاب
كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضًا، ويساند أقوانا الضعيف فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه. ولا أزال أذكر ممن كان في مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان. وأخًا آخر من حمص اسمه أمجد طيارة. والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا.
وإذا كانت الأحداث المرة وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضًا أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم ما، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة. وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك. ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما لا تحمد عقباه.
همجية التعذيب
وانقضى أسبوع آخر .. ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال. وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة. يحضرني الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب. الأول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي. وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية، وأحمد حمزة وهذان من من مدينة الباب. وكان الأخير مدرسًا. فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبرًا وأربع أصابع وحسب! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع. ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافيًا ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب.
لكن وصول الإخوة الجدد كان نوعًا من التسرية المؤقتة لنا، مثلما كان وجودنا من قبلهم عونًا لهم على تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنبًا لأي مزيد من العذاب. وسرعان ما انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا. وكشفت لنا في نفس الوقت أوجهًا أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية، وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها إخواننا في حلب. رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه لإجباره على الإعتراف السريع، فكادت أن تقطعها، وظل رحمه الله يتألم منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور. واستخدموا مع الآخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره