فهرس الكتاب
شاهدًا على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالبًا اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر بعد مدة رحمه الله.
مع كتاب الله
انقضت أحاديث التعارف وروايات المعاناة وقصص الداخل والخارج واتجهنا قدر الإمكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما يفيد. فالسجن الذي كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية لا بد وأن تنتهي، سواء بانتهاء الحياة أو بالفرج. وليس ثمة شيء نتزود منه أجلّ من كتاب الله تعالى. ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر من القرآن الكريم، حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الأجل كان آخر عهدنا في هذه الدنيا مع كتابه الكريم. وسرعان ما نشأت بيننا حلقات الحفظ بالتلقي .. فلا مصاحف لدينا بالطبع نحفظ منها. ولذلك كنا نتبادل حفظ السور من بعضنا البعض، فيجلس أحدنا إلى أخيه إذا هدأت الأمور وانتهت حفلات العذاب ليسمع منه ما يحفظ، ويظل يردد وراءه الآية بعد الآية هامسًا ويَعُدُّهُنَّ على سُلامات الأصابع. فإذا أنهى خمسًا منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمسًا تاليات. حتى إذا انتهى اليوم وحل الليل وهجع الخلق رأيتنا نتعاقب على الحمام خلسة فنتوضأ ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءًا منفردين .. نعيد تلاوة ما حفظنا في النهار.
وعلاوة على ذلك وإذا سنحت الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كل علم يعلمه أخ بيننا، أو رأي أو موضوع له فيه اطلاع. لكن ذلك ما كان يتم إلا بشكل فردي .. أو ربما بين أفراد المجموعة الواحدة وبمنتهى الحرص والحذر.
الكوليرا
ولم تكن بلاءات هذا المكان المريع لتتوقف .. فذات صباح في صيف عام 1981 استيقظنا على أصوات التقيؤ وصيحات الألم المكتومة في المهجع .. ووجدنا حالة من الإسهال الشديد أصابت الكثيرين بيننا. وأخذت العدوى تنتشر يومًا بعد يوم، وجعل الإخوة يتساقطون من الإعياء داخل المهجع أو في وقت التنفس. وكانت الفاجعة بأنها الكوليرا قد سرت. ولم نلبث وقد استشرى الأمر أن وجدنا طبيب السجن محمد يونس العلي يمر على المهاجع ويسأل عن عدد المصابين ويسجل ذلك عنده. وبعد ساعتين أو ثلاث عاد الشرطة وطلبوا من رئيس المهجع أن يخرج هؤلاء المصابين جميعًا لينتقلوا إلى مهجع 13 في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين. فخرج من مهجعنا وحده حوالي الأربعين. وأمضى الإخوة في العزل عدة أسابيع قدمت لهم إدارة السجن وقتها علاجات