فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 711

كنا نتساءل هل يمكن أن يستوعب مهجعنا أكثر مما فيه الآن وعددنا فيه الآن (150) معتقلًا بعد تأرجح بين الزيادة والنقصان، وهكذا فإن حصة المعتقل من أرض المهجع لا تتجاوز (375) سم مربع، ولكن ما نلمسه هو اندفاع المسؤولين إلى كل ما من شأنه أن يزيد في عذابنا وإيذائنا بل وموتنا، وهذا يجعلنا نعتقد تمامًا وبشكل واضح أنه ليس لشرهم وسوئهم وإجرامهم من حدود تقف عندها.

كانت أرض المهجع مستغرقة حتى آخر شبر فيها، ولم يبق فيها موطئ لقدم، حينما سمعنا حركة في المهاجع والزبانية يتنقلون بسرعة من مهجع لآخر، ولما وصل الدور إلينا فوجئنا بعدد من المعتقلين الجدد مطأطئي رؤوسهم يتدافعون على الباب، ولا أدري كيف جازف رئيس المهجع بالكلام فقال: سيدي ما في موضع، المهجع مليان، سيدي والناس عبتنام في الباب. فغضب المساعد (أبو جهل) وقال: خلي ينامو وين بدن، ولكنه أشار من طرف خفي إلى الجلادين ونحن مغمضو العيون لا نبصر المناورة، فاندفع الجلادون يصرخون: لجوا ولك لجوا يا كلاب ... يا حقيرين .. يا .... وابتعدنا عن الباب فدخلوا وأخذوا يضربوننا بالكرابيج يميناَ وشمالًا، وتراكمنا فوق بعضنا في آخر المهجع، وهم يتبعوننا بالضرب وصعد بعضهم فوق الكوم البشري فضرب ودعس فيه .... وعشنا وقتًا عصيبًا .. نتيجة الاعتراض البسيط.

يوم 6/ 1/1982

جاء الزبانية ظهرًا، ففتحوا باب مهجعنا وأدخلوا مجموعة من المعتقلين الجدد، وبعد ذهاب الزبانية كنا نود التعرف على هؤلاء المعتقلين الجدد، وقد هالنا ما كانوا فيه من حالة سيئة، أرجلهم وأيديهم متورمة ممزقة، ووجوههم ملأى بالجروح والكدمات، بينما كان رأس أحدهم قد شج شجة منكرة تحت وقع ضربات الكرباج الكثيرة، وقد تجمدت الدماء فوقه ولوثت ثيابه، وظهر معتقل آخر قد تمعط وتسلخ نتيجة الجلد الشديد بالكرباج وغيد ذلك مما يصعب حصره والإطاحة به، ومع ذلك فإن شخصيات هؤلاء كانت أعجب من أحوالهم ..

يوم 7/ 1/1982

معظم المعتقلين في المجموعة التي أدخلت مهجعنا البارحة، من كبار السن أو بالأحرى ممن تخطوا سن الشباب ودخلوا في سن الكهولة، وكانت أعمارهم بين الأربعين والستين عامًا، ومعظمهم من سكان الأرياف، فهم بسطاء طيبون كرماء أتقياء، ذوو عيال كثيرين وأراض زراعية يعملون فيها، ولقد علمت أن مجموع عيال أحدهم يصل إلى العشرين نفسًا، ما بين امرأة وصغير وعاجز، وكلهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت