فهرس الكتاب
التغيرات الجذرية إنه يرى أن وضع عدد من المتدينين في السجون المدنية بين المجرمين والمنحرفين كاف لإصلاحهم وإعادتهم إلى الجادة الصحيحة.
علمت أن الدكتور محمد نزار الدقر معتقل منذ أكثر من عشرة شهور، وأنه كان في إحدى زنازين معتقل السادات بدمشق، وقد زاره هناك وزير الأوقاف محمد محمد الخطيب -وأنه لم يضع تلك المدة من عمره هباء رغم ما كان يعانيه من مضايقات، فصابر على بحوثه وألف كتابًا جديدًا عن النحل سماه: النحلات صيدلانيات ملهمة- كما حفظ القرآن الكريم كله غيبًا وقد جرده زبانية سجن تدمر من كتبه العلمية واحتجزوها مع كل ما بحوزته من أوراق وكتب.
وكان من أفراد هذه المجموعة من المعتقلين، نجل ضابط كبير من ضباط الجيش، أشقر الشعر، طويل القامة، جميل الطلعة، وقد جلبت له قامته الطويلة وشبابه الغض غضب الزبانية وأذاهم، فكان يحتمل كل ذلك بصبر جميل، رغم رقته وعدم اعتياده على خشونة العيش، ويدعى هذا الشاب (شرف الدين شرف) ..
يوم 11/ 1/1982
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلًا) .
طلب عدد من المعتقلين الشباب في مهجعنا للإعدام وذلك في أوائل أيام شهر شباط،1982 وكنا نودعهم في ألم عميق ودموعنا تنهمر رغمًا عنا ونحن نرى هؤلاء الشباب الذين هم كالزهور في رقتهم ولطفهم وأدبهم، وكالجبال الراسيات في ثباتهم وصمودهم، نراهم أمام كل هذا الكيد والغل والغدر، يتواصون فيما بينهم بالثبات وعدم الخوف، والتكبير قبل تنفيذ الإعدام.
ثم ينزعون ثيابهم الجيدة الجديدة وساعاتهم ويخرجون نقودهم فيعطون كل هذه الأشياء لإخوانهم المعتقلين، الذين هم بحاجة إلى هذه الأشياء ويسارعون إلى الوضوء وإلى صلاة ركعتين سنة الشهادة، ولما جاء الزبانية لأخذهم للإعدام وسألوهم عن أغراضهم قال كل منهم: ما عندي أغراض.
جمع زبانية السجن في هذه المرة عددًا كبيرًا من المعتقلين لإعدامهم، وفجأة ارتفعت أصوات التكبير: الله أكبر الله أكبر، وكانت تردد هذا النداء أصوات جماعية مختلطة متفقة، وتبع ذلك أصوات ضرب بالكرابيج وصراخ الألم.
وكان هذا الفعل المنكر أشنع تصرف لزبانية سجن تدمر الذين أخذوا يعتدون على هؤلاء الذين سيواجهون الموت بعد لحظات، ويلقون وجه ربهم شاكين متألمين.