فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 711

لزمنا الصمت التام عسى أن نجد لهذا الأمر الذي أثار قلقنا تفسيرًا .. ولكن ضجة التعذيب أخذت تقترب منا وبدأنا نسمعها بوضوح، وجاء الزبانية وأخذوا يخرجون نزلاء مهاجع باحتنا للتفقد .. وحسب العادة فإن مجموعة من الزبانية تفتح المهاجع بالترتيب وتخرج المعتقلين ليصطفوا أمام المهجع ثم بأتي الرقيب فيعدهم ثم يدخلهم الزبانية ثانية.

فتح الزبانية باب مهجعنا وأمرونا بالخروج بأصوات منكرة، مع ألفاظ التهديد والوعيد، وكان الجلاد فواز بلهجته الحاقدة يصرخ بنا بشماتة وتشف (طلعو يا كلاب لبرا لفرجيكن .. طلعوا لنشوف يا حقراء) ..

وبينما كنا نقف في الصف أمام المهجع بانتظار التفقد ارتفعت ضجة التعذيب أمام باب المهجع القريب، ولمحنا باستغراب واستهجان ما كان يجري لنزلاء المهجع (25) فقد انقض عليهم الزبانية يضربونهم ويعذبونهم وهم يحاولون دخول المهجع، وعدّنا الرقيب بسرعة بينما كان نفر من الزبانية الأنذال ينقضون على الصف ويضربون بعض إخواننا.

وفي العادة أن الرقيب بعد أن ينتهي من العدد يسأل رئيس المهجع عن عدد المعتقلين في مهجعه ويجب أن يطابق بعد ذلك العدد الذي حصل عليه الرقيب، ثم يأمر المعتقلين بدخول المهجع.

وقد فعل الرقيب وأمرنا بدخول المهجع، لكن الجلاد فواز منعنا من دخول المهجع .. وصرخ يدعو الجلادين للحضور: (العصي لهون) وجاء الزبانية يتراكضون وبأيديهم العصي الرهيبة، واصطفوا على طريق دخولنا إلى المهجع، وهيأوا أنفسهم وحضروا عصيّهم، وصرخ الجلاد فواز بحقد وتشف: (واحد واحد عالمهجع يا كلاب .. ) وما أن سرنا نريد دخول المهجع حتى انقض علينا الزبانية يحطموننا بعصيّهم، واشتد الضرب وعلا الصراخ وحمي وطيس التعذيب وهاجم الزبانية أوائل الصف وأخذوا يضربونهم، فاضطرب النظام واندفع الأخوة يريدون دخول المهجع والزبانية يحيطون بهم ويضربونهم على أي مكان تصل إليه عصيّهم، واشتد الزحام والتدافع على باب المهجع، وبدأ المعتقلون يتساقطون على الأرض تحت وقع ضربات العصي، وتراكموا فوق بعضهم البعض حتى أغلق الكوم البشري باب المهجع أو كاد، وفشت الإصابات والجروح والكسور، وعلت ضجة العذاب وتمكن عدد من الأخوة من دخول المهجع رغم كل ذلك، فلم يقعدوا ولم يتوانوا عن مديد العون لإخوانهم المكومين على الأرض في باب المهجع، فاندفعوا يجذبون ويحملون منهم الواحد بعد الآخر ويدخلونهم المهجع، ويأخذون الأعلى فالذي يليه لعدم إمكانية تحريك أولئك الذين هم في أسفل الكوم، كل ذلك والضرب مستمر والزبانية ماضون في هجمتهم الفاجرة.

وأخذ الكوم البشري يتناقص شيئًا فشيئًا حتى تمكنا من إدخال جميع الأخوة المعتقلين، وأغلق الزبانية الباب ومضوا يهزأون ويضحكون. كان الاضطراب الشديد يعم المهجع جميعه، وصراخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت