فهرس الكتاب
المعذبين وأنينهم يملأ المكان، وكان عدد كبير من الإخوة المعتقلين قد استلقوا في جوانب المهجع بين مغمى عليه أو هو يغالب آلامه وإصاباته، كان ممن حولي من الإخوة المعتقلين واحد يضع يديه على جرح كبير في جبهته والدماء تسيل منه وقد ملأت يديه ووجهه وثيابه، وآخر يتلوى وهو يصرخ: ظهري. وثالث يضع كلتا يديه على رأسه فوق جرح كبير نازف تسيل منه الدماء. ورابع يمسك إحدى يديه حيث يبدو من تألمه أنها مكسورة وخامس وسادس .. هذا يصرخ: يدي، وذاك: رجلي، ولأول مرة، ارتفعت الأصوات في المهجع المصاب رغم تعليمات السجن بلزوم الصمت التام، وكان بيننا عدد من الأطباء لكنهم كانوا مشغولين بأنفسهم وبإصاباتهم.
بدا المهجع وكأنه ميدان حدثت فيه معركة ضارية شديدة، نشط بعض الأخوة يسعفون المصابين ويربطون جروحهم ويضمدون إصاباتهم ببعض قطع الثياب الداخلية.
لم نستطع إدراك الأسباب الحقيقية لما جرى البارحة وكثرت التأويلات، فأوّل بعض الأخوة المعتقلين السبب إلى كثرة مخالفات الأحداث في مهجعيهم (31 - 32) وأنهم لا يرهبون كرباجًا ولا عذابًا.
فأغضبت أفعالهم زبانية سجن تدمر .. وأوّل آخرون السبب فيما جرى بأنه التكبير القوي الذي ارتفعت به أصوات الذاهبين إلى الإعدام منذ يومين، وأكد بعض الأخوة أن نزلاء بعض المهاجع وخاصة الأحداث شاركوا في التكبير .. وقلت: احفظوا هذا التاريخ 9 شباط 1982 وتعلمنّ نبأه بعد حين ..
لم يخطر ببالنا أن يتكرر حادث الأمس الرهيب، ومع ذلك فقد هيأنا أنفسنا لما قد يكون والتجأنا إلى الله سبحانه بالدعاء والاستغاثة، وفي موعد التفقد ذاته، كذبنا سمعنا، ولم نرد نصدق أن حفلة تعذيب البارحة ستتكرر اليوم أيضًا ولكن ذلك ما حدث ..
فقد أعاد الزبانية هجمة العذاب مرة أخرى، ولما جاء دورنا وعدنا الرقيب كان الجلاد فواز مع نفر من الزبانية يقفون في طريقنا والعصي في أيديهم، وما لبثوا أن انقضوا بها علينا ونحن نحاول دخول المهجع، واستعر الضرب الشديد وتساقط الأخوة المعتقلون واحدًا إثر الآخر، وتراكمت أجسادهم في باب المهجع في هرم ارتفع أكثر من مترين حتى سد باب المهجع أو كاد، وعلا الصراخ وأصوات الاستغاثة وضجيج العذاب، وكنت في هذه المرة من أول من وقع بهم الضرب، فوقعت في باب المهجع وتكوم فوقي عدد كبيرًا من الإخوة وداست رجلي عشرات الأقدام ووقع بهما الكثير من الضرب والتجريح، ثم تغطتا بالأجساد البشرية، وكانت رقبتي على عتبة باب المهجع المرتفعة عن